قبل ثمانية سنوات من رحيله، بيّن البودا ساكياموني أن كل تعاليمه السابقة كانت تحضيرية، وأنه بصدد إعلان التعاليم النهائية التي سجّلها أتباعه في سجل يُدعى بـ"سوترا زهرة اللوتس".

تتميز تعاليم سوترا اللوتس بثوريتها الإنسانية: فهي تُعلن مساواة كل الناس في إمكانية تحقيق حياة الاستنارة - مُلغيةً بذلك كل التحديدات الاجتماعية التي تؤدي إلى التفرقة بين الناس، من عنصر أو مذهب أو جنس أو مركز اجتماعي أو شكل خارجي.

وبذلك تعتبر سوترا اللوتس أقدم وثيقة إنسانية تنص على مساواة كل الناس في حقهم في التحرر التام من المعاناة والوصول إلى أعلى درجات السعادة في حياتهم اليومية - دون أي تفرقة أو تحديد.

رمز اللوتس

ترمز كلمة “اللوتس” إلى الزهرة التي تنبت بنقاء ورونق على سطح ماء المستنقعات في الأحراش. وبمقارنة حياة الإنسان بشكل رمزي مع مبدأ نمو زهرة اللوتس، تشير هذه السوترا أن الإنسان أيضاً - كاللوتس - قادر على النمو والحياة بسعادة ونجاح حتى في ظروف سيئة تبدو وكأنها المستنقع الذي يحيط به.

أي أن الفرد قادر على أن يجد القوة الداخلية ليحيا ضمن أحراش المجتمع الإنساني دون التعرقل به أو الانجرار إلى صعوباته ومآسيه.

يطرح نظام حياة زهرة اللوتس مثالاً من الطبيعة ذا معنى في الحياة الإنسانية.

هناك عدد من الخواص الطبيعية للوتس تثير في الفكر الإنساني جاذبية قوية، بحيث أن عدداً من الحضارات المختلفة التي لم يكن بينها اتصال أشارت إلى هذه الزهرة في سجلات واسعة المحتوى منذ آلاف السنين. مسيرة حياة الزهرة توحي بدورة الحياة والموت والولادة من جديد، ولا شك أن أي موضوع يتصل بالموت والحياة بعد الموت له دلالة روحية خاصة.

ولكن أعمق ما توحي به الزهرة هو علاقة ما نقوم به من أفعال بالنتيجة اللاحقة لهذه الأفعال - ارتباط السبب بالتبعات المستقبلية.

الخواص الطبيعية للوتس

أما أكثر خواص اللوتس سهولة في الملاحظة فهي خاصية النقاء الدائم.

خاصية النقاء الدائم

رغم أن المستنقع والظروف المحيطة بالزهرة لا تتصف بالنظافة، إلا أن الزهرة ذاتها لا يصيبها أي تلوث، وهي دوماً في تأجج بالنقاء والإشراق.

لهذه الخاصية من النقاء الدائم معنى على مستوى الحياة الإنسانية التي تجسّد فكر الاستنارة، والذي هو دائم الصفاء والقدرة والإشراق - يحمي ويدعم الفرد رغم سوء الظروف المحيطة، قادراً بذلك على مساعدة الآخرين أيضاً.

إننا نحيا ضمن ظروف وضغوطات كثيرة. وهذا أيضاً ما يعكس واقع زهرة اللوتس المحاطة بالمواد الطينية والأملاح في ظروف المستنقع. ولكن ذلك لا يوقف الزهرة عن النمو، بل على العكس: إذ تقوم الزهرة باستخدام كل ما حولها من المواد وتحوّله إلى غذاء لتشكيل كيان بالغ الجمال شكلاً ولوناً ورائحة عطرية. تستخدم خاصية التنظيف الذاتي للوتس في مجال الصناعة لإنتاج مواد وسطوح لا تعلق عليها الأوساخ - ولكن التركيز الفلسفي لهذه الخاصية في مجال العلاقات اليومية يوحي لنا أننا كذلك قادرون على استخدام ظروفنا وما نجابهه من أمور مهما كانت لأجل النمو والنجاح.

وبما أن هذا الموضوع ذو أهمية في العلاقات الإنسانية، فالفلسفة الشرقية اعتمدته أساساً لقدرة الإنسان على تغيير وتحويل الأوضاع إلى أفضل عبر “قدرة التغيير”.

مبدأ عدم التأثر بظروف المحيط العكر

رغم أن هناك كثيراً من الورود والأزهار التي تبدو نقية، إلا أن نقاءها ذاك يتعلق بالظروف المحيطة - خلافاً للوتس التي تظل في صفاء رغم الوحل المحيط، والذي في نفس الوقت لا يمكن لها أن تحيا بدونه.

هذه الخاصية في استخدام اللوتس للوحل لتحويل موادّه إلى غذاء تُؤخذ مجازاً لإرشاد الفكر الإنساني إلى مبدأ روحي هام. إنه من مصلحتنا اتباع مبدأ اللوتس في استخدام الظروف والصعوبات التي نجابهها بالذات كمادة لنا لاستهلاكها بحكمة لأجل النمو عبر تحويلها إلى أوضاع مفيدة.

يعتبر مبدأ “تحويل جو الفوضى والاتساخ إلى جو النظام والنقاء” اتجاهاً أساسياً في الفلسفة الشرقية.

عوضاً عن التذمر يمكن رؤية مشاكل المحيط على أنها في الواقع مفيدة للنمو الذاتي، بل وضرورية لأجل المتانة وتقوية الذات.

لذلك فإن اللوتس تُؤخذ رمزاً لمبدأ “التحول” من الواقع السيء إلى ما هو أفضل - أي عوضاً عن اتهام الظروف أو التشكّي من ضغط المحيط، يجب العمل الهادف لتغيير الوضع إلى أفضل. ويُشار إلى هذا الإيحاء بإمكانية “التحول إلى الأفضل” في واقع العلاقات الإنسانية بما يُدعى مبدأ “تحويل السم إلى دواء ” - أي باستخدام نفس المشاكل التي نجابهها كما لو أنها الدواء المرّ المذاق الذي عبره نجد شفاءً وحرية من المعاناة.

دورة الحياة والموت ثم الولادة من جديد

زهرة لوتس وردية مفتوحة تُظهر مهد البذور الذهبي في مركزها
زهرة لوتس وردية مفتوحة تُظهر مهد البذور الذهبي في مركزها

تتميّز زهرة اللوتس بخاصية “التلقيح الذاتي” لتوليد البذور، التي تنشرها الزهرة عند موتها في أعماق الوحل، وذلك في دورتها الحياتية في النمو من بذرة إلى زهرة كاملة - ثم البزوغ من جديد.

تجتمع في زهرة اللوتس الخواص الذكرية والأنثوية معاً: إذ أنها تحتوي على مستقبلات أنثوية في مركزها يحيط بها تكاثف ذكري مليء بالطلع الأصفر الذهبي اللون. ولأجل إتمام الإلقاح بين المستقبلات الأنثوية وغبار الطلع الذكري تحتاج الزهرة إلى استدعاء عون خارجي من الحشرات تستدرجها إليها بإصدار عطر فوّاح يترافق مع ارتفاع حرارة ألياف الزهرة مشكّلةً بذلك حقلاً من الدفء والوعد بوجود مواد غذائية عاطرة.

ينجم عن الإلقاح تشكّل البذور التي تتموضع في حاوية ذهبية اللون كالمهد في مركز الزهرة. وبعد تأجج الزهرة بالتفتّح الكامل تبدأ مرحلة الموت حيث تبدأ أوراقها بالذبول، وتموت الزهرة وهي تُلقي بالبذور الملقّحة في الماء لتنغرز في الوحل وتبدأ دورة حياة جديدة من التفتّح، فالإلقاح ثم الموت ثم الولادة من جديد.

تتميّز بذور اللوتس بالصلادة والمتانة بما يجعلها قادرة على التفتّح في حال توافر الظروف - ولو بعد مضيّ مئات السنين. وتبيّن دراسات علم النبات أن بذور اللوتس قد عادت إلى الحياة مجدداً في منطقة لياونين في الصين بعد حوالي 1300 سنة. وقد أدركت حضارات عديدة مغزى علاقة اللوتس بالانبعاث مجدداً بعد الموت، وقد ذُكِرت بشكل خاص في “كتاب الأموات ” في مصر القديمة.

الإشارة إلى قانون الوجود: وحدة السبب والنتيجة

تقوم زهرة اللوتس بإجراء مميّز عند وصول نضجها إلى زهرة كاملة. ففي المرحلة النهائية لكمالها تقوم الزهرة بفتح محتوى المهد الذي يحوي البذور في مركزها - وكأنها تُظهر السرّ الذي أوصلها إلى النتيجة النهائية.

لقد جذبت هذه الظاهرة الفكر الإنساني عبر الزمن لمغزاها العميق المعنى. واتُّخذ ذلك كإعلان من الزهرة أن اكتمالها النهائي في النمو إنما يعود إلى البذور - والتي هي السبب في بدء تواجدها.

نحن نعلم عموماً أن النتيجة تتلو السبب، ولكن في زهرة اللوتس تظهر “النتيجة معاً مع السبب” - كإعلان عن ترابطهما وعن عدم انفصالهما عن بعض. ويُشار إلى هذه الظاهرة بمبدأ ترابط “السبب والنتيجة”.

يبدو بزوغ البذور وضوحاً من مركز الزهرة الناضجة وكأنه إعلان منها عن السبب الذي أدّى إلى وجودها، أي وكأنه إشارة ذات مغزى عن علاقة السبب بالنتيجة. وإذا اتخذنا مغزى مبدأ عدم انفصال النتيجة عن السبب الذي أدّى إليها على المستوى الإنساني، فإن هذا المبدأ يشير إلينا أن نتائج الأمور التي نحياها في واقعنا ليست عبثاً وليست مفروضة من الخارج، بل إن مصدرها الأساسي هو الأسباب الضمنية السابقة لهذه النتائج.

يبدو بزوغ البذور وضوحاً من مركز الزهرة الناضجة وكأنه إعلان منها عن السبب الذي أدّى إلى وجودها، أي وكأنه إشارة ذات مغزى عن علاقة السبب بالنتيجة.
يبدو بزوغ البذور وضوحاً من مركز الزهرة الناضجة وكأنه إعلان منها عن السبب الذي أدّى إلى وجودها، أي وكأنه إشارة ذات مغزى عن علاقة السبب بالنتيجة.

بذلك تنص تعاليم الفلسفة البوذية على المسؤولية الكاملة للإنسان على مجرى حياته ومصيره: فنتائج أفعالنا لا تحددها قوى خارجية، بل إن قدر الإنسان وأوضاع حياته ليست محتومة أو مفروضة عليه وإنما هي ضمن مجال مسؤوليته وقدراته. وحين ندرك أننا مسؤولون عما نقوم به من أفعال، فنحن قادرون ضمن هذا الإدراك على تغيير المستقبل.

الواقع هو أنه هناك دوماً أسباب سابقة لما نحن نمرّ به من أوضاع. بما أن لكل شيء سبب، إذاً ليس هناك في الواقع ضرورة لافتراض تأثير وقوعنا فريسة لقوة خارجية تحدد مصيرنا - إذ يمكن لنا تقوية الذات والقيام بالأسباب الصحيحة لأجل تشكيل ظروف لمستقبل نرضاه. معنى ذلك أن المستقبل ونتائج الأمور تابعة لفعالياتنا، والتي - حسب نوعيتها وقيمتها - يمكن أن تؤدي إلى المعاناة أو إلى السعادة.

حتمية قانون وحدة السبب والنتيجة

إذا راقبنا ما يحصل من أحداث نجد أن هناك طبعاً فترة زمنية بين حصول “السبب” في فعل ما وحصول “النتيجة” أو تبعات ذلك السبب. ويمكن أن تكون الفترة الزمنية طويلة أو قصيرة حسب تواجد الظروف. ولكن حتمية التلازم بين السبب والنتيجة لا يتعلق بالزمن. ذلك لأن خاصية أو قانون تلازم السبب ونتيجته هي خاصية ذات طبيعة مبتوتة في مطلقية حصولها مهما كانت الفترة الزمنية التي تتطلبها الظروف.

هذه الحقيقة بالذات أساس كل القوانين العلمية: فالعالم حولنا تحكمه قوانين وليس مصادفات عشوائية. ويمكن القول أن العلوم بكافة مجالاتها قائمة أساساً على اكتشاف رابطة الأسباب والظروف بالنتائج في دراستها لديناميكية الظواهر.

لذلك، فإن ما تشير إليه اللوتس في تبيانها حول ترافق ظهور البذور مع الزهرة الكاملة معاً في آن واحد يحمل مغزىً عميقاً إلى وجود قانون أو رابط حتمي مطلق يتخطى الزمن.

العلاقات النفسية أيضاً تتبع تتالي الأسباب والنتائج

وليس هذا القانون حول ترابط السبب بالنتيجة صالحاً فقط لظواهر الطبيعة والعلوم حولها فحسب، بل إنه يحكم المشاعر والعواطف والانطباعات النفسية.

إذ أن العلاقات الإنسانية بمجملها تعبّر عن ترابط الأسباب التي نقوم بها - كالتصرفات والأقوال - مع النتائج النفسية وردود الفعل الحاصلة تبعاً لذلك.

لا شك أبداً من أن كلمة تُقال بدفء وقلبية تترك انطباعاً مختلفاً عن كلمة تُقال بعدوانية وتكبّر.

أليس أول ما يتساءل الفرد منا حين يُصاب بمأزق كبير أو بمعاناة: “لماذا؟ - لماذا قد حصل هذا لي؟” - أي أن كنه السؤال هو: “ما هو السبب؟”.

هذا يعني أن الفكر يتوق إلى معرفة رابطة السبب بالنتيجة. بذلك، فإن “قانون التلازم والحتمية بين وقوع الأسباب وحصول النتائج” إنما قانون كوني شامل للطبيعة الحية وغير الحية.

الوضع الحاضر وليد الماضي

ضمن هذا الهاجس العقلاني الهام حول معرفة رابطة السبب بالنتيجة، تثير ظاهرة اللوتس جاذبية فكرية إلى مغزى فائق الأهمية: إن النتيجة الحالية لوضع الفرد لا تنفك عن سبب ما كان قد قام به الفرد سابقاً، أي أنه هو الذي قد تسبّب في الوضع الحالي الذي يحياه - بما يعاكس مبدأ رمي التهم على الآخرين أو الظروف.

الوضع الذي نحياه - إن كان معاناةً أو استمتاعاً - ليس مصادفة. صحيح أن هناك أوضاعاً تُفرض علينا أحياناً بالقوة من الخارج - بكل تأكيد - ولكن حتى في تلك الأوضاع نحن نشارك في تواجدها بعدم مقدرتنا على مقارعتها. ولو أن قوتنا الداخلية كانت ذات مستوى أعلى إذاً لكان لنا مجال لتحسين أو تغيير النتائج.

ما يحصل في حياتنا ليس مفروضاً من الخارج بدون مشاركتنا فيه بشكل أو بآخر.

علاقة الماضي بالحاضر وقانون ترابط السبب الماضي - والمنسي عادة - لما كنّا قد قمنا به بالنتيجة الحالية الحاضرة، هذا يعني أيضاً أن الحاضر الحالي سبب له تأثير على المستقبل.

فإذا كان الوضع الحاضر الآن نتيجة لأسباب حصلت في الماضي، إذن فالمستقبل هو نتيجة قادمة للأسباب التي نقوم بها حالياً في الحاضر.

ولأجل الوضوح في التفكير حول “لماذا تحصل الأحداث؟” – يتوجبّ التفريق بين السبب (أو الدوافع الحقيقيّة) التي تسيّر الفرد وبين الظروف الخارجية المحيطة.

الفارق بين “السبب الضمني” و"الظروف الخارجية"

ليس من شك في أن الأحداث التي تحصل في الواقع تتطلّب وجود “عوامل خارجية” لكي تمتزج بالدوافع أو الأسباب الداخلية لنا.

ولكن العوامل الخارجية - بحد ذاتها - مجرد “ظروف” مناسبة لحصول الأحداث وليست “السبب” في حصول الأحداث.

ولأجل اتقاء المغالطة أو التهرّب، لا بد من الإدراك الصادق أن كثيراً من المشاكل والمعاناة في الواقع الحياتي تنجم عن إلقاء التهمة على الآخرين أو على الظروف المحيطة في كونها “السبب” فيما يحصل من أمور، بينما يكون السبب الحقيقي في حصول تلك الأمور موجوداً ضمناً في داخل الفرد الذي يستدعي ويجذب الظروف الخارجية.

وكمثال يوضّح الفارق بين “السبب” و"الظروف"، يمكن الإشارة إلى ظاهرة نمو النباتات: فالسبب الحقيقي الدافع إلى نمو أي نبتة هو وجود البرنامج الداخلي ضمن الحمض النووي في بذرة النبات. ولكن هذا “السبب” أو البذرة بحاجة إلى “ظروف خارجية” مواتية مثل التربة الجيدة والرطوبة وضوء الشمس.

على أن هذه “الظروف” الخارجية مجتمعة هي مجرد كونها عاملاً مساعداً وليست “سبباً” بحد ذاتها يستدعي “نتيجة” - فمهما كانت الظروف الخارجية جيدة التوافر، إذا لم يكن هناك من بذرة صالحة للنمو فالنمو لن يحدث لتشكيل نبتة.

وعلى مثال اللوتس، تعتبر بذورها طبعاً “السبب الضمني” في نمو وتواجد لاحق للزهرة، بينما يشكّل وحل المستنقع “الظروف الخارجية” الضرورية. ومهما كان هناك من وحل خارجي - إذا لم يتوفر وجود السبب الضمني والذي هو البرنامج الداخلي للبذرة فإن الزهرة لن تتواجد.

هذا المبدأ في حصول الأحداث صعب تقبّله في محيط فكر لا يُدرك - أو لا يريد أن يُدرك - أن السبب الحقيقي في حصول الأمور موجود ضمن ماضي الفرد دون أن يتذكره.

لذلك يتجه كثير من الناس إلى اتهام الوحل الخارجي على أنه السبب فيما يحصل لهم من أوضاع، دون إدراك أن الوحل قد انجذب إليهم بفعل من سبب داخلي ضمنهم، وأنه من مسؤوليتهم الخاصة أصلاً معالجته بل وأنهم قادرون على ذلك.

هل يمكن تغيير المصير؟

يد تُوقف سقوط قطع الدومينو المتتالية
يد تُوقف سقوط قطع الدومينو المتتالية

كما يمكن لنا إدراكه من خلال مراقبة الظواهر ومجريات الأمور، فإن هناك حيّزاً زمنياً تستغرقه العملية التي تحدث بين القيام بالسبب في وقت معين وولادة النتيجة التابعة لذلك السبب لاحقاً.

هذا الحيز الزمني يشير إلى أمر بالغ الأهمية: بما أن هناك فرصة زمنية بين بدء الفعل ونتيجة تأثيره، إذن يمكن لنا التدخل ضمن هذا الحيّز الزمني بإجراء معيّن بهدف عرقلة العملية الجارية وإيقاف استمراريتها أو تغيير اتجاهها.

فمثلاً، لنفرض أن لدينا سلسلة من قطع الدومينو. إذا بدأ الفعل بحركة مبدئية دفعت القطعة الأولى إلى الوقوع فهذا ما يمكن تسميته بـ"السبب الأولي" لتتالي تساقط القطع التالية في تسلسل ينتهي بسقوط القطعة الأخيرة حتماً.

أي أن النتيجة النهائية للعملية محكومة بمصير هو سقوط القطعة الأخيرة دونما شك في ذلك.

ولكن: إذا جرى تدخل مباشر في سريان العملية بين السبب والنتيجة التابعة له، فإن النتيجة النهائية سوف تتغيّر. يمكن مثلاً إجراء حركة ما لإيقاف التساقطات، أو إزالة أحد القطع في السلسلة بما يمنع وقوع القطعة التالية - هذا التدخل كفيل بتغيير مصير القطعة الأخيرة التي عوضاً عن وقوعها ستظل واقفة في مكانها.

أي أن “المصير” في هذا المثال ليس حتماً، بل يمكن التدخل لتغييره إلى ما هو مرغوب أو مناسب. هذا يعني أن المستقبل ونتائج الأمور تابعة لفعالياتنا - والتي حسب نوعيتها وقيمتها يمكن أن تؤدي إلى المعاناة أو إلى السعادة.