تعتبر تعاليم سوترا اللوتس تعاليماً ثورية بالمقارنة مع التعاليم السابقة لها، والتي كانت تحضيريّة. فقد أوردت مفاهيماً جذريّة كان من الصعب تقبّلها في الفكر الذي كان سائداً في السابق. وكان هذا متوقّعاً: إذ أن سجلّ اللوتس نفسه يشير إلى صعوبة تقبّل مايطرحه من إمكانيات - و بشكل خاص حول إمكانية الوصول إلى وضع الإستنارة خلال حياة الفرد الحالية.

كانت هذة الإمكانيّة غير مألوف حتى سماعها من قبل الفكر التقليدي السائد (والذي في الواقع الحالي حتى الآن لايزال هكذا في تفكير كثير من المدارس التي لا تتبع سوترا اللوتس، بل تعتقد أن الإستنارة ممكنة فقط بعد عدّة حيوات).

تعتبر فلسفة اللوتس أقدم وثيقة في التاريخ الإنساني في إلغائها للتفرقة بين الناس وتأكيدها أن للكرامة الإنسانية قيمة مقدسّة لايجوز الإساءة إليها.

ففي ما أوردته تعاليمها من صور وأفكار، كانت تشير إلى أنّ الأولوية في الأحكام والسلوك هي الإنسانيّة المشتركة أساساً لأي اعتبار، يفوق بل ويلغي القيود الفكريّة أو العنصريّة أو الإعتقاد بوجود درجات اجتماعيّة متفاوتة المكانة. وألغت تعاليم اللوتس أي تفرقة تمسّ الشكل الخارجي للأفراد أوتفاوت وضعهم المادّي أو الإنتماء الجنسي – مركزّة فقط على قدسيّة الكرامة الإنسانية في كل فرد.

وفي نفس الوقت، تشارك فلسفة اللوتس كثيراً من الديانات في المفاهيم التي هي مركز اهتمام كل انسان مثل مواضيع “الثواب و العقاب”، “الجنة و الجحيم”، “الحياة و الموت”، “الإنسان والطبيعة” وغير ذلك من نظرات - على أن فلسفة اللوتس تعطي هذة المواضيع بعداً انسانيّاً عميقاً، كما يلي ذكره لاحقاً.


الوجود الفطري لإمكانيّة الإستنارة

من الواضح أن حياة كل انسان، منذ الولادة، تحتوي على دوافع فطريّة ضروريّة لحماية وجوده واستمراريته في الواقع المليء بالتحديّات. فالقوى النفسيّة طيف من القدرات الهامّة تدفع الفرد إلى القيام بالفعل وردّ الفعل تجاه ما يقابله من أمور. وتتراوح طبيعة القوى النفسيّة التي نختبرها في حياتنا من انطباعات سلبيّة (كالخوف والحزن والغضب) أو إيجابيّة (كالحب والتعاطف والسعادة).

وفي دراسة حديثة لعلم نفس الطفل تبيّن أن أكثر الكلمات ترداداً لدى الأطفال هي كلمة “لماذا؟” – مشيرة إلى الدافع الفطري للفضول والرغبة في معرفة كيفيّة توارد الأمور وحصول الأحداث. ويأخذ الفضول منهج الرغبة في التعلّم من الآخرين و أيضاً البحث واكتشاف الحقائق من ملاحظات خاصّة. هذا الدافع العقلاني لمعرفة حقيقة الواقع وملاحظة ارتباط سبب حدوث الأمور بالنتائج الحاصلة يؤدّي إلى الإدراك - فكرياً وروحياً. والرغبة في المعرفة والإدراك دافع فطري يتجسّد في مسار التاريخ الحضاري للإنسان، في توقه إلى الإجابة على الأسئلة الأساسيّة في الحياة وكيف تحصل الأمور.

لاشكّ أنّ السؤال الأساسي في حياة الإنسان يتركّز حول التمكن من اتقاء المعاناة والآلام، والرغبة في حياة من الأمن والتقدّم والسعادة (ضمن واقعه القائم على التغيَر والتحديات). العالم يفيض بأحداث المعاناة و فقدان الأمن، فهل هناك أمل بالقدرة على تحويل الصعوبات والمشاكل التي لابد أصلاً من مجابهتها بما يعطي الفائدة و القيمة؟

يمكن التصوّر أن الإجابة على هذة الأسئلة الأساسيّة ممكنة إذا كان هناك سجلّ يدوّن كل ما حصل من أحداث في تاريخ الإنسانيّة تنسكب في خلاصته الحقيقة حول كيف تجري الأمور: ماهي الأفعال والأسباب التي أدّت في السابق في نتيجتها إلى معاناة وانهيار، وماهي الأفعال والدوافع التي أدّت إلى السعادة والإزدهار.

وبما أن مهمّة الوعي الحاضر تنحصرفي معالجة مايجري حاليّاً من أمور، يقوم العقل الباطن (والذي يدعى أيضاً باللاوعي) بتسجّيل الأحداث الجارية كذكريات متراكمة في طبقات أعمق في الفكر. هذا ما تتفق فيه النظرة البوذية وعلم النفس حول أنّ العقل الباطن يحتوي بالفطرة على خبرات الإنسان السابقة، شخصيةً كانت أو جماعيّة من خبرة الإنسانيّة التي ننتمي إليها (مثل الخوف والغضب والرغبات العديدة والتي توجد ضمن العقل الباطن للمولود الجديد).

وتضيف تعاليم اللوتس إلى نظرة علم النفس حول حقل اللاوعي أنه يحتوي أيضاً على حقل “الإستنارة” - موجود أيضاً في أعمق طبقات العقل الباطن للفرد بشكل فطري.

فواقع ولادة الطفل إنساناً يخولّه على احتواء كل المشاعرالإنسانيّة وكل المعلومات حول كيف تتزن الحياة برابطة الأسباب الصحيحة مع ما ينجم من نتائج مرغوبة. وهذا بالذات هو فكر " الإستنارة الى كيف تعمل الحياة"، ماالذي يؤدّي إلى السعادة وماالذي يؤّدي إلى المعاناة.

ولكنّ مايمنع حقل الإستنارة في العقل الباطن للفرد من الإشعاع إلى الوعي الحاضر (أي لمساعدته على تجنّب التصرفات الخاطئة) - هو الجهل أو الشّك بوجود إمكانية الإستنارة ضمناً. الشّك بوجود قدرة الحياة الكونيّة ضمناً (أو الحكمة التي يمكن أن تحمي وترشد وتساعد الفرد) يعني الإعتقاد بدونيّة وضعف الإنسان. وهذا يؤدّي طبعاً إلى اتجاه البحث عن الحقيقة والإستنارة من خارج، كما تقوم عليه معتقدات عبادة قوى الطبيعة لأجل الحصول على الحماية منها (أو الإرشاد من سلطة خارجيّة حول ما يجب القيام به من تصرفات انسانيّة).

حقل الإستنارة الفكرية والروحية هو أعمق مستويات الفكرالإنساني، وهو موجود ضمن العقل الباطن للفرد كمخزن هائل للقدرة النفسية والمعرفة ولأرقى المشاعر الإنسانية.

إنه موجود ضمناً كإمكانية (أو كقدرة كامنة لتوليد السعادة وثراء الإمكانيات القيّمة)، وهو ملك شخصي للفرد – منذ الولادة. أي أنه حقل لاينفصل عن حياة الفرد، موجود بالفطرة الطبيعية نتيجةً لمجرد ولادة الفرد إنساناً.

هل من الممكن أننا نحمل فكر الإستنارة في داخل حياتنا دون أن ندري؟

هناك مثال جيّد يوضّح هذا الموضوع: فقد مضت مئات آلآف من السنين في تاريخ الإنسانيّة دون معرفة الحقيقة أن كل فرد يحوي ضمناً على المعلومات الجينية الخاصة به: DNA. فالمعلومات الجينيّة (أو الحامض النووي) قد تم اكتشافها منذ أقل من مئة سنة فقط. هذا يعني أن كل فرد في تاريخ البشرية في السابق كان يحمل ضمنه المعلومات التي تسيّره وتحدد ما يؤثّر على حياته، دون أن يعلم عن وجود ذلك ودون أن يدري بما هو موجود ضمنه.

هذة الحقائق تسهّل إدراك ما تشير إليه فلسفة اللوتس من أن حقل الإنارة الروحية موجود عمقاً في كل شخص بالطبيعة. إننا نحمل ثروة فكرية روحية هائلة المقدار، وفلسفة اللوتس تمكّن من استخدام هذة القدرة الضمنية للإنسان.


الإستنارة هي إدراك وجود قانون الكون

الذي يحدد علاقة سبب الأحداث بالنتيجة الحاصلة

إن أي شك في وجود حقل الإستنارة ضمن الفرد سوف يمنع الفرد من استخدامه أو الإستفادة بمقدراته العظيمة. إذ كيف يمكن لفرد إمكانية استخدام ثروة هي ملكه الشخصي إذا لم يعلم عن وجودها - أو إذا شك في وجودها أصلاً ملكاً له؟ ومثل هذا الشك بقيمة الفرد بنفسه وإمكانياته سيصنع عائقاً كبيراً أمام الفرد تجاه أي تقدم.

يمكن تصور حقل الإستنارة الموجود في الفكر الفردي للإنسان كمثل جوهرة بالغة القيمة ولكنها مدفونة ضمن غلاف من الطين والأوساخ (التي هي الفكر الدوني الجاهل) يمنع من اشعاعها إلى تصرفاته في الواقع. وهذا الغلاف هو بالذات الشك بقيمة الذات والإعتقاد بضعف الإمكانات أو بعبثيّة الحياة، وكذلك الموانع النفسيّة التي تفرزها الدوافع التشويهية لكرامة الفرد (مثل التكبّر والعجرفة، والتفرقة أو احتقار الآخرين، الحقد، العدوانية، الحسد، الأنانية وما إلى ذلك، مما يصنع حقلاً مانعاً لإضاءة الوعي بالحكمة والعقلانية والتعاطف الإنساني).

تبين سوترا اللوتس أن الإنسان يمكن ان يحيا حياته بمعاناة وأوضاع مزرية ويموت في فقر وآلآم دون أن يدري أنه يحتوي ضمناً على قدرة كبيرة وغنىً عظيماً - كان لو أنه اكتشفه في ذاته قد مكنَه من حياة سعيدة رغيدة.

الطبيعة الفطرية لحقل الإستنارة هو الأساس في الإعتقاد بقيمة كل فرد وبحقه في الحياة بإشراق وسعادة - وكذلك اساس يتطلب احترام كرامة أي إنسان وعدم الإساءة الى أحد حتى ولو كان الفرد الآخر نفسه جاهلاً لقيمته و إمكانياته. ويعطى لهذة القدرة الروحية اسمها المناسب enlightened-nature الطبيعة المنارة.

الفكر الإنساني دائم التغيّر ويحتوي السلبي و الإيجابي، أي أنه “طيف” من عديد من الحقول أسماها حقل مشاعرالإستنارة التي هي مجمل: الطمأنينة و السعادة والحكمة – أو أفضل وضع نفسي للفرد. وفي التعاليم النيتشيرينية يشار إلى هذا الحقل بكلمات “نعم ميوهو رنكة كيو” مستقاة من تعاليم اللوتس.

السؤال: “كيف لي أن أكون إنساناً أفضل؟” هو السؤال الدائم في الفلسفة النيتشيرينية، وكل ما على الفرد عمله هو تحريض إمكانية الإستنارة بواسطة الإنشاد والإستمتاع بالقدرات الضمنيّة في حياة من القيمة والمعنى.


المساواة وإزالة أي تمييز

تنظرسوترا اللوتس إلى الطبيعة الإنسانية على أنها طيف من الغرائز والدوافع والتي فيها يكمن ضمناً وضع الرغبة في السعادة ووضع الإستنارة.

إن كل الأفراد متساوون في إمكانيتهم وحقهم في تجسيد حياة من السعادة والإنسجام مع الواقع، ويمكنهم التغلبّ على أي عائق (أو تحديد) مانع لذلك. ليس للتفرقة بين الناس أي مستند طبيعي ولا يعتمد التمييز بين الناس على أي عقلانيّة في التفكير الصحيح.

وفي نفس الوقت تؤكدّ التعاليم النيتشيرينية على قيمة الفرد كشخصيّة مستقلّة فريدة في الوجود، مما يعطي الفرد قيمة لا تقدّر. ويورد نيتشيرين في كتاباته أن حياة الفرد أغلى ثمناً من ثروات كل المجراّت في الكون.

بل تعتبرالفروقات بين الأفراد مصدرغنى وثراء ألوان ذات رونق ونكهة ممتعة: إذ أنها كالفروقات بين أنواع الفاكهة المختلفة – كما لخّص ذلك الفيلسوف “دايساكو إيكيدا”:

“كما أن الفواكه العديدة – تزهر وكل منها يمتلك خواصه الفريدة المختلفة عن غيره، كذلك فإن كل فرد إنساني فريد في كيانه. إنه لايمكن للفرد أن يكون شخصاً آخر. المهم هو أن نحيا بصدق مع الذات و أن نعمل على أن تنمو حياتنا الشخصية وتزدهر.”

وعبر الأمثلة القصصية والإستعارات، بينت اللوتس سوترا أن أي تفرقة بين الناس أو تمييز مهما كان إنما مظهر للعجرفة، وفرض الرأي وإساءة لكرامة الناس. التميّيز سبب في حصول المعاناة. وتعتبر سوترا اللوتس أول مصدر في تاريخ الإنسانية يسجل فيه حق المساواة بين كل الناس برفض التفرقة لأي اعتبار ديني أو شعوبي أو عنصري أو اجتماعي أو جنسي أو ميل جنسي أو ثقافي أو أي مستوى من التمييز، واضعة الإنسانيّة أولاً أساساً في السلوك والنظرة إلى مشاعر الآخرين.

السبب في حقيقة ضرورة تجاوز التميّيز بين الناس هو أن حياة كل فرد إنما إصدار من حياة الكون. والإنتماء العقلاني الحقيقي الصحيح للإنسان هو الإنتماء للمصدر الأساسي لوجوده، والمصدر الأساسي لكل فرد هو حياة الكون المحايدة في طبيعتها.

هذا لاينفي طبعاً أن الفرد يمكن ينتمي أيضاً إلى مستويات إسناد أو مراجع محلية، مثلاً الإنتماء إلى مجتمع أو دين أو شعب أو جنس أو جنسية وما الى ذلك. كل هذة الإنتماءات يمكن أن تكون أيضاً مفيدة عملياً في تنظيم المجتمع ولكن دون تشنّج أو تعصّب أو تفضيّل. كل الإنتماءات الجزئيّة مرحلية وولا تحلّ محل الإنتماء الأساسي إلى الكون. أي لايمكن للإنتماءات المحليّة أن توازي الإنتماء إلى المستوى الأعلى للحياة والذي هو “جبروت الوجود الأبدي”، أو “حياة الكون”.

لذلك تنظر اللوتس سوترا إلى كل فرد “كما هو موجود” بقبول له “كما هو موجود”. ذلك أن قيمة حياة كل فرد هي نفسها في كل فرد، لاأكثر ولا أقل.


ماهي الممنوعات تناولها أو استخدامها؟

الأمر الوحيد الذي يجب احترامه في التعاليم النيتشيرينية – هو كرامة الحياة. أي أن الأمر الوحيد الممنوع هو: الإساءة إلى كرامة حياة الفرد.

أما الأمور التفصيلية من طعام او شراب أولباس أو ممارسات أوعادات، فليس هناك أي تحديد طالما أن ذلك ليس فيه إساءة إلى الآخرين.

كثير من المدارس البوذية يعتمد عدداً من المحرمات والتقييدات، و قد بيَن نيتشيرين أن هذه الممنوعات قد خدمت مرحلياً في تاريخ البوذية سابقاً في اعداد الرهبان لممارسه التأمل. أما المرحلة الحالية لممارسة التعاليم من قبل عامة الناس، فانها لا تقتضي أيّاً من الموانع أو التقييدات في أي من الأمور اليومية.

إن الاتزان والحكمة في كل الأمور واجب، وهذا هو المبدأ الأساسي الذي يترك لكل فرد تطبيقه بحريّة وباحترام لرغبات الشخص الخاصة، والتي ليس فيها اساءة شخصيّة للآخرين.


ماهي نظرة اللوتس إلى قضيّة الحياة والموت؟

يمكن تشبيه مرحلة ولادة الإنسان وبدء حياته بمرحلة بدء النهار الذي يستمرّ حتى الغروب حيث تبدأ فترة الليل أو مرحلة الموت. فدورة اليوم الكامل تحتوي النهار والليل، وكذلك دورة الحياة تحتوي العيش في الواقع ثمّ الغياب في حقل الموت.

إن مرحلة الموت ضرورية لآجل تجديد الحياة، مثل ضرورة النوم بعد نهار مليء بالأحداث، حيث يستعيد النائم الراحة والقدرات ويتشرب طاقة من التجديد والانتعاش لبدء يوم جديد (أي إلى مرحلة تالية لنهار جديد يتلوه ليل لاحق) في دورة طبيعية دائمة التكرار.

لا يمكن للموت أن يتواجد دون وجود الحياة أصلاً، أي ان كلاً منهما يتضمن الآخر. وتنظر البوذية إلى الحياة على أنها سلسلة لانهائية من تتالي المرحلتين: مرحلة الولادة والعيش، تتبعها مرحلة الموت أوالغياب.

وكما ينتهي الليل ببزوغ فجر جديد، كذلك تنتهي مرحلة الموت بولادة جديدة، في ظروف جديدة و شخصية جديدة لايربطها بالحياة السابقة سوى اتجاهات وميول عامة للمولود الجديد.

ولكن هذة النظرة ليس لها علاقة بما يسمى “باستنساخ الأرواح” reincarnation - فليس من تعاليم اللوتس وجود لروح ثابتة تتكرر في كل ولادة أو تستنسخ تكراراً وليس هناك من “شخصية” أبدية التكرار لأي كائن.

تعني مرحلة “الولادة من جديد” rebirth استمرارية الدوافع و العادات التي شكلها الفرد في حياة سابقة وليس الشخصيّة السابقة والتي انتهت مهمتها لدى الموت.

ففي الولادة الجديدة يبدأ الفرد رحلة جديدة مستقلة تماماً عن الشخصية الفائتة و التي لايمكن لها أن تعود، إذ أن الشخص السابق ينتمي الى أبوين ليس لجيناتهما الوراثية أي علاقة بالجينات الوراثية للمولود الجديد، و بذلك لايمكن لأي فرد محدد في أي حياة أن يدوم أو يتكرر شخصياً.

على أن المولود الجديد يحتوي في العقل الباطن نفس الدوافع وحصيلة الأحداث للأفعال التي تشكلت في الحياة السابقة.

وتدعى قوة الدوافع والميول التي يشكلها الإنسان بأفعاله بقدرة الكارما karma. والقدرة أو الطاقة التي تدفع للفعل لايمكن أن تزول، بل تتحول من قدرة فعالّة (لدى الحياة) إلى طاقة كامنة (في حقل الموت).

وتفسّر الكارما من أين تأتي الفروقات بين المواليد بكونها من انعكاس فحوى الحياة السابقة للفرد – وكل فرد فريد. أي أن المولود الجديد يحوي - إضافة للمورثات الجينية من الأبوين – ميولاً خاصة فريدة عن غيره تكمن في العقل الباطن وهي قدرة الكارما التي هي نتائج خلاصة الأحداث السابقة للحياة الحالية.

لقد زالت الأحداث السابقة مع كل تفصيلاتها ولكن تبعاتها لايمكن أن تزول بل تبقى الدوافع العامة لمساراتها السابقة موجودة بشكل قدرة كامنة تجذب أحداثاً جديدة توافق نوعيتها المشكلّة في السابق.

الفارق بين فكرة استنساخ الروح الثابتة Reincarnation وبين الولادة المتجددة Rebirth

تعتبرالبوذية فكرة استنساخ الروح فكرة خاطئة وذات تأثير سلبي، فهي ناجمة عن الرغبة الأنانيّة التفرديّة للإنسان في رغبة استمرار نفس الذات الشخصيّة بعد الموت (وهذا غير ممكن إذ ان الزوال قانون يشمل كل ماهو موجود).

ما يسمى “بالروح” هو القدرة الحياتية للإنسان والتي هي غير جامدة أومحددة مسبقاً، بل هي قوة ما يشكلّه الفرد من قيمة لأفعاله وتطلعاته. أي أنها في الواقع قدرة الكارما.

الكارما هي القدرة المحرّكة والطاقة الشعورية الديناميكية (فهي قابلة للتغيّر حسب إرادة الإنسان وأفعاله).

وفي هذة النظرة تحرير للإنسان من السجن النفسي للإعتقاد بوجود روح ثابتة له (لايمكن تحسينها أو تغييرها لأفضل).

النظرة البوذية لما ينتقل من هذة الحياة بعد الموت إلى حياة قادمة هو انتقال قدرة الكارما والتي هي من مسؤولية الفرد. ينجم عن ذلك أنه إذا بذل الفرد مجهوداً خاصاً لتغيير دوافعه و اتجاهاته في هذه الحياة الحالية - وهذا ممكن طبعاً - يمكن له إذاً تغييرمحتوى الكارما الخاصّة به بشكل جذري.

الإنسان ليس سجين “روح” لايمكن له مغادرتها.

تختلف البوذية عن كثير من الفلسفات التي تحدد للفرد “روحاً ثابتة” لاتتغير. فالمبدأ الأول في البوذية هو مبدأ الزوال أي أن “كل حالٍ يزول” - لذلك فليس صحيحاً أن الإنسان محكوم بما لايمكن تغييره، بل يمكن للفرد أخذ القيادة الذاتية في إجراء “ثورة روحية” - وليس الخنوع إلى التفكير بكونه عاجزاً عن تغييرمصيره الذي تحدده روح ثابتة.

وهذة النظرة تعطي الفرد إمكانية القيادة على حياته وتغيير مصيره إلى مستقبل أفضل.

إن ظاهرة الحياة والموت ظاهرة عامة في كل جوانب الطبيعة من نباتات أو كائنات حية، وهي ظاهرة تحصل الآن كل لحظة ضمن كل جسم حي الذي يتطلب التجدد المستمر ضمن خلايا الجسد تكراراً دورياً لموت الخلايا المختلفة وإعادة ولادتها.

فكما يبيّن علم الأحياء أنه في كل ثانية من الزمن تقوم تجهيزات الجسم بتوليد دورة الحياة والموت حيث يتجدد مايفوق 2 مليون من الخلايا الحمراء التي تنقل الأوكسيجين في كل ثانية (وكل خلاياالجسم تتجدد كل 7 سنوات بشكل دوري).

وعلى صعيد الكون كذلك: فكل الأجرام السماوية كالكواكب والشموس والمجرات تتبع في تشكلها ظاهرة الحياة والموت، إذ أنها تبدأ بالبزوغ والتشكل ثم بالإستمرارية إلى حين، وبعدها تبداْ بالإنحدار وفقدان الطاقة وتنتهي بالإندثار – وبعد ذلك يبدأ التشكل من جديد.


الثواب والعقاب

إن الكون موجود بما هومفروغ منه.

وقانون الوجود هو قانون وحدة السبب و النتيجة الذي يضمن اتزان الأمور بين مايجري من فعل وتبعاته المستقبليّة.

وجود ظواهر الكون كلها تعبيرعن حقيقة الترابط فيما بينها Interconnectedness إذ لايوجد في الواقع ما هو منفصل أو قائم بذاته دون ارتباط مع غيره من عوامل. لذلك فهناك دوماً تأثير وانطباع لأي حركة أو فعل على ماهو مرتبط به من علاقة.

وهذا التأثير (أو الإنطباع الناجم من السبب) يمكن أن يكون مفيداً في وقعه مساهماً بذلك في خلق وضع من الإنسجام والتكامل والرونق – بينما العكس عن ذلك إذا كان تأثيرالنتيجة سلبياً إذ يعبّر آنذاك عن وضع من المعاكسة والإساءة.

فإذا كانت النتيجة ايجابية للجميع نجمت عن ذلك مشاعرالسعادة كثواب للقيمة الإيجابية - والتي هي شعور يحدده قانون الكون في أوضاع الإنسجام (في وضع يشارك فيه الجميع).

وإذا كانت النتيجة مسيئة أوغير مرضية لوضع الإنسجام إذاً لظهرت مشاعر المعاناة كعقاب للقيمة السلبية - والتي هي مشاعر الإنسان في أوضاع التفكك في اللوحة أو الوضع الذي يشارك فيه الجميع.

إن عدم تقديرالفرد للأسباب والنتائج فيما يقوم به (من كلمات أوتصرفات) له تبعات لامفرّ منها يفرضها قانون الحياة تلقائياً. وبماأن قانون الحياة هوالسلطة التي تحدد ارتباط الأسباب بالنتائج لذلك فالحكمة تقتضي أن يكون المرء في انسجام مع قانون الحياة الذي يحدد ماهو ايجابي (نعتبره ثواباً) وما هو سلبي (نعتبره عقاباً).

القانون الطبيعي للحياة يهدف إلى اتزان العلاقات و المشاعر. فكلمة تقال أو فعل مبنيّ على احترام كرامة الآخر يؤدّي إلى نتائج تختلف عن فعل مبني على الإساءة والعجرفة.

الأسباب الصحيحة التي تنبع من رغبة الفرد في صنع الفائدة والسعادة الحقيقية للآخرين لابد وأن تؤدي إلى نتائج إيجابية. ويمكن اعتبار ذلك بمثابة الثواب ولكنه مكافأة يستحقّها الفرد نتيجة إدراكه (لقانون ارتباط السبب بالنتيجة).

مفهوم الثواب والعقاب موجود في البوذية ولكن ليس بشكل عطاء من قوة خارجية او سماوية، بل بشكل النتيجة الحتمية الملازمة للأسباب التي يقوم بها الإنسان (والتي تسجل بتلقائية ضمن حياته في سجل الذاكرة الكارمية). وتظهر نتائج الأفعال إما فوراً أو بعد فترة وذلك حسب توافر الظروف المناسبة لإستدعائها.

ولكن: ما هي نوعية هذه النتائج؟ ما هي طبيعة مفهوم الثواب و العقاب؟

ببساطة: انها مشاعرالسعادة او مشاعر المعاناة.

السعادة و المعاناة حال شعوري ضمني، وليس شيئاً موجوداً في مكان خارجي. يمكن لنا ان نشعر بالسعادة و التمالك حتى في ظروف بسيطة، وكذلك يمكن أن نشعر بالمعاناة الداخلية الهائلة التأثير حتى في أجمل الأماكن الوافرة أو الظروف الغنية.

يعطي مفهوم “وحدة السبب والنتيجة” الأمل والمسؤولية الشخصيّة، أنه يمكن لنا تغيير نتائج الأفعال السابقة (و المسجلة في السجل الكارمي في العقل الباطن) مباشرة وذلك بالقيام بفعاليات حالية بتصميم للإتجاه ألى مستوى جديد (قائم على الإنسجام مع قانون الوجود).

و بالطبع فليس كل مايحدث في المستقبل من أمور تابع للفرد، ولكن رد فعل الفرد على مايحدث من أمور تابع فقط له، ونابع فقط منه. لذلك يعطي مفهوم “وحدة السبب ونتيجته” المقدرة على قيادة الذات بوعي كامل للمسؤولية الشخصية في اتخاذ القرارات التي تنحت مسارات المستقبل.


الجنة والجحيم

أوضاع شعوريّة في الواقع الحالي

كما في مفهوم الثواب و العقاب فإن مجال الجنة و الجحيم هو مجال المشاعر الضمنيّة للإنسان.

حين نشعر بالإنسجام التام داخليّاً والرضى والإتساق مع مايحيط بنا – نحيا مشاعر السعادة والإنجاز والتلازم مع الواقع.

المشاعر دوماً ضمنيّة. وهي ليست بحاجة إلى أي مكان خاص لها خارج الفرد. لذلك فإنه يمكن العيش بسعادة و قيمة في هذة الحياة الآن.

وبالتالي فإن “الجنه” (أو حياة السعادة) و"الجحيم" (أو حياة المعاناة) – تفهم في تعاليم اللوتس على أنها مجرد أوضاع حياتيه ومشاعر داخلية للإنسان حسب واقعه الذي يحياه – وليست أماكن خارجية.

هناك أماكن كثيرة في الطبيعة ذات جمال خلاّب وظروف بالغة الانسجام والرونق – بما يمكن التعبير عنها بكونها كالجنّة التي يتوق الإنسان أن يحيا فبها. ولكن حتى في مثل هذة الأماكن ذات الجمال الخارجي هناك من يعاني مثلاً من علاقات تنعكس على مشاعره بآلآم نفسيّة.

وبما أن مشاعر السعادة (الجنة) ومشاعر المعاناة (الجحيم) هي مشاعر ضمنية، (وليست تابعة لمكان منعزل عن الواقع الحالي) - لذلك تشير تعاليم اللوتس أن كل ما علينا القيام به هو الجهد الواعي لتحويل الظروف الخارجية الى الوضع الذي نريد بأفضل مايمكن – بادئين من إجراء تغيير داخلي في تفكيرنا إلى فكر الإستنارة.

هناك مبدأ أساسي في تعاليم اللوتس يُعرف بمبدأ " تحويل السم إلى دواء". و كلمه “السم” هنا هي مجرد رمز أو اشارة الى سمومية الصعوبات والمشاكل التي نصادفها. أي أن هذا المبدأ يشير إلى امكانية استخدام عناصر المشاكل (أو السموم) لتحويلها الى ظروف للنمو والقدرة (أي الى دواء) والى ايجاد الحل الأكثر قيمة، بما يكفل الاتزان والكرامه للجميع.

تشير زهرة اللوتس إلى قدرة تحويل الواقع transformation في نموها ضمن مستنقع راكد، مستخلصة من الأوساخ الطينية المواد التي تستخدمها و تحولها الى فائدة لها. المشكل ليس في العوائق أو المحيط بحد ذاته بل في الفكرالذي يستصعب ايجاد منفذ لإيجاد الحلول ذات الفائدة للجميع.


الكارما

سجل التاريخ الشخصي للفرد

سجل التاريخ الشخصي للفرد
سجل التاريخ الشخصي للفرد

لنراقب مثلاً ما يحصل حين يمشي أحد على ارض طينية أو على رمال شاطىء بعد انحسار الماء عنه.

لاشك أن ذلك سيترك انطباعاً على الرمل بفعل الوزن الذي صنع عليه أثره.

وهناك حالات من الانطباعات التي تتصلدّ كما هي رغم مرور فترة كبيرة من الزمن.

وقد يكون هذا المثال مناسباً لتقريب مفهوم الكارما – والذي ينص على أن كل فعالية (عمل أو كلام أو تفكير) يقوم بها الفرد تترك انطباعاً في ضمن حياته وتؤثر أيضاً على المحيط. أي أن ما نقوم به من أفعال وأقوال يصنع انطباعاً في ضمن الذاكرة و يسجّل في أعماق الفكر تلقائياً.

وما يسجل في الذاكرة ليس مجرد معلومات سطحية زائلة عن كنه ما قمنا به. بل هو انطباع محفور في تاريخنا الشخصي. ذلك أن ما يفعله ويقوم به الفرد عبرالزمن يصنع التاريخ الشخصي للفرد. إننا نحمل تاريخنا الشخصي ضمناُ رغم أننا على الغالب لانذكر التفاصيل القديمة.

هذا يعني أننا ننحت ونشكل الكارما الشخصية في كل قول أو عمل أو حتى منحى تفكير. ونحن نكتب في تاريخنا الخاص كل يوم.

أين يتم تسجيل كنه الأفعال التي نقوم بها؟

إن مجال العقل الواعي هو التركيز على الوضع الحالي للوقت الحاضر. وكثير مما قمنا سابقاً به يصبح منسياً يصعب (أو حتى لايمكن) تذكره. برغم ذلك، فكل ماقد حصل لا يمكن أن يضيع فكل ما نقوم به مسجل عميقاً في ضمن ملفات العقل الباطن، وهو السجل الكارمي أو خلاصة التاريخ الشخصي للفرد.

وتؤيد الدراسات العلمية في علم النفس والأعصاب أن تكرارعمل معين يؤدي الى تشكيل تيارات عصبية تساعد على ترسيخ الذاكرة الخاصة بذلك العمل، أي أننا نشكلّ الميول والعادات بفعل التكرار وبما يجعل الدوافع المتكررة أكثر جاهزية للحضور - بل وأيضاً لجذب أحداث من المحيط لتغذيتها باستمرار.

وهذا بالضبط ما يفسرالإتجاه ومنحى الميول التي يشكلها الفرد لنفسه بما يدفعه للتصرفات في نفس النمط وبتكرار يؤثر على مجرى الأحداث وعلى مصير الشخص عموماً.

القدرة لايمكن أن تزول ولكن يمكن أن تتحوّل

كل مايدفع للأفعال أو الأقوال هو عبارة عن قدرة أو قوّة نفسيّة. هذة الطاقات الداخليّة هي المصدر الضمني الذي يصنع الأحداث في الواقع - والتي تتخذ قيمتها حسب ماهيّة الدوافع، سلباً أو إيجاباً.

الكارما إذاً قدرة نفسيّة أو طاقة روحيّة ذات اتجاه، تتشكل حسب نوعيّة الدوافع الضمنيّة التي تسيّر حياة الفرد.

وكذلك فهي قدرة تجذب من المحيط الأحداث أو الأمور التي توافق نوعيتها: هل كانت مبنيّة على التعاون والتعاطف أم على العجرفة والتكبّر.

الكارما إذاً قدرة نفسية روحية تصنع مسار حياة الإنسان في الزمن وتحدد فعله ورد فعله تجاه الواقع بما هو مسؤول عنه.

وهذة القدرة في صياغة التاريخ الشخصي تعني أيضاً أنه يمكن للفرد إضافة أفعال جديدة في أي وقت تغيّر من نوعية ما سجلّه في المحتوى الكارمي سابقاً.

كيف يمكن أن يتمّ ذلك؟ لابدّ من التصميم وبذل الجهد للقيام بفعاليات جديدة مغايرة لما سبق. كل فعالية جديدة تتسجل وتعدّل من عمق المجالات الكارمية السابقة. أي ان السجل الكارمي للإنسان ليس ثابتاً، ومصيره ليس محدداً بالماضي بل يمكن تحويله وتغييره.

يمكن تشبيه السجل الضمني لحياة الفرد بسجل حساب “البنك الروحي” الخاص بالفرد، إن صح التعبير، والذي يمكن زيادة ثرائه بشكل ايجابي أو انقاصه بشكل سلبي، حسب نوعية الأعمال التي توضع فيه.

تساهم الكارما في عملية حصول الأحداث في الواقع. إذ ان الفرد يمكن أن يجد نفسه منجذباً بقوة الى التصرف بشكل معين، مثلاً بعاطفية وغضب أو بحكمة ورزانة تجاه ظروف معينة. إن مايحصل من أمور ليس قدراً لامفر منه، بل إن هناك تناسب بين الكارما الشخصية وأحداث الواقع (التي نشارك بها طبقاً للدوافع التي شكلّناها سابقاً).

ومفهوم الكارما أو السجل النفسي في حياة الفرد ليس صعباً إدراكه، فنحن نعلم أننا نشكلّ عاداتنا و دوافعنا بالتكرار. ولكن ما الذي يحصل للسجل الكارمي لحياة الفرد عند الموت؟

مالذي يحصل عند الموت؟

لدى الموت، تزول احساسات الجسد والعقل الواعي من الفكر- عن الوجود، ولكن القدرة الكامنة في الفكر الباطن لاتزول، ذلك أن الفكر الباطن يستند في طبيعته إلى حقل الكون الذي نحيا ضمنه.

وبما أن الجسد الفيزيائي قد زال، إذن لايمكن لسجل الكارما (الموجود بشكل قدرة كامنة) لدى الموت أن يؤثرفي أي شيء في الواقع الفيزيائي إذ ليس هناك جسّد واحساسات فاعلة. يظل سجل الكارما كما هو: في جمود عن التأثير (ولكن بشكل قدرة كامنة).

لا يمكن للكارما - وهي قدرة أو طاقة روحية للمعلومات - أن تختفي، بل تصبح في وضع الجمود في حقل الموت (والموجود في خلفية الكون، خارج مفاهيم الزمان و المكان الفيزيائي).

وكما في حال مثال القدرة الكهربائية: فإن اتصالها بجهاز ما يمكنها من تشغيله ولكن عند عدم توفر جهاز فيزيائي لاتزال القدرة الكهربائية موجودة ولكن بشكل قدرة كامنة.

وبشكل مشابه فإن القدرة الروحية للكارما في حقل الموت تظل كامنة حتى توفر ظروف تنجذب بها الى العالم الفيزيائي وتعود إلى حقل الحياة.

والذي يجذب الكارما (المجمدة في حقل الموت) إلى العالم الفيزيائي الحي هو القدرة الجنسية في اتصال بين أنثى وذكر هما الأكثر مناسبة لهذة الكارما لكي تستقبل المورثات الجينية منهما.

بذلك، فإن الكارما من الحياة السابقة تنجذب تلقائياً إلى الظروف الفيزيائية المناسبة لها لأجل سكب المعلومات الخاصة بها – ميولاً ودوافعاً في العقل الباطن للمولود الجديد.

ولكن المولود الجديد ليس نسخة عن الشخص السابق في الحياة الماضية، لأن المورثات العائلية التي تشكل المولود فيزيائياً مختلفة كلياً عن المورثات التي كانت تحدد الشخص السابق. أي أن المولود الجديد انسان فريد ولكن ميوله ودوافعه الخاصة به هي تلك قد سبق تشكيلها من حياة ماضية.

في هذا تختلف تعاليم اللوتس عن المعتقدات الهندوسية والتيبتية والتي تعتقد بفكرة تناسخ الروح الثابتة وعودة نفس الشخص في قالب جديد. ذلك أن الشخص السابق قد زال ولن يعود. وفكرة الروح الشخصية التي يفترضها البعض ناجمة عن رغبة الفرد بالخلود و التكرر إلى الأبد، معتقداً أن شخصيته أبدية وأن الموت لن يزيلها، بينما تبين فلسفة اللوتس أن الشخصية الحالية زائلة ولكن الدوافع وكنه أعمالها تنتقل الى رحلة جديدة في ولادة جديدة.

السبب في أن فلسفة اللوتس أو البوذية النيتشيرينية لاتعتقد بوجود روح محددة خاصة بالفرد هو أن الإعتقاد بوجود ما هو غير قابل للتغيير (مثل مفهوم الروح الثابتة) سوف يؤدي إلى المعاناة.

فالذي يشعر بالمعاناة الروحية سيظل كذلك في كل ولادة دون إمكانية تغيير ذلك. وفي هذا الفكر تبرير للتفرقة الإجتماعية ونظام الطبقات: بأن من يولد في طبقة اجتماعية دونية له “روح دونية” تختلف عن الذي يولد في طبقة اجتماعية أعلى كما تنص عليه المعتقدات الهندوسية.

بمعنى آخر: الفارق بين الروح و الكارما هو: أن الروح مفهومها ثابت وتحدد قدرالإنسان، بينما الكارما قدرة متغيرة بإرادة الإنسان الذي يحدد مصيره في هذة الحياة وفي المستقبل حسب أفعاله وتصميمه الشخصي.