من المفيد تقديم بعض المقاطع من رسائل نيتشيرين، لأجل فهم أوسع لفلسفة اللوتس.
وكما قد كتب في أحد رسائله: “إن قطرة واحدة من ماء البحر تعطي فكرة عن مذاق لجّة مائه بالكامل” – وتبعاً لهذا، فالتركيز على مقطع كتابي معيّن يمكن أن يعطي فكرة جيدة عن المقصود من روح النص. فإيراد مجرد القليل من كتاباته يمكّن من إعطاء فكرة عامّة على الفلسفة التي تقدمّ بها إلى الإنسانيّة.
(بما أن الترجمة الحرفية لايمكن لها إعطاء كنه المقتطفات، كان لابدّ من الإستعانة بشروحات وإضافات تلقي الضوء على المقاطع التالية بما يفيد في الإيضاح).
ومضات سريعة من كتابات نيتشيرين
إني لا أعرف شتاءً لم يتبعه الربيع
“قد يبدو للوهلة الأولى أن الذين يتبعون تعاليم اللوتس يكافحون في الحياة اليومية كما لو أنهم في جوٍّ عاصف أو شتاءٍ قاس. ولكن الشتاء يتبعه الربيع. لم يحصل أبداً - منذ أقدم العصور – أن رأى أو سمع أي إنسان عن فصل شتاء قد تغيّر إلى الخريف. كذلك لم يحصل أبدا أن سمعنا عن إنسان يتبع تعاليم اللوتس قد تحوّل إلى فرد فاقد لقدرة الحكمة. هذا ما تؤكدّه السوترا حين تذكر أن كل فرد يتناهى قانون اللوتس إلى سمعه أو سمعها سيصل إلى ثراء حقل الإنارة. لا شك في ذلك.”
في هذا القول، يبيّن نيتشيرين أن مجابهة المصاعب والكفاح في الحياة اليومية يبدو لنا بالمقارنة وكأنه مقاومة شدّة العواصف في فصل الشتاء القاسي. ولكن الحكمة تقتضي وجوب رؤية هذا الوضع على أنه مرحلة زائلة - كما نحن ندرك مرحلة زوال الشتاء ليحل محله جو الربيع الذي يعد بالدفء والنمو والإزدهار.
وفي الإيحاء بتماثل وضع الصعوبات التي نجابهها مع أحوال الشتاء القاسي، يمدّ نيتشيرين القارىء بالثقة مذكّراً أن زوال المعاناة أمر ممكن بل ومتوقع، كما هو الحال في تغيّر الظواهر الطبيعية المعروفة.
ويظهر من روح كلمات التشجيع ومن الوعد بتغيّر الأوضاع إلى أفضل – دافع التعاضد مع الآخرين وبث الأمل كمبدأ أساسي في التصرّف الإنساني الصحيح.
العواصف الثمانية
“من هو الإنسان الجدير حكمةً وقيمة؟ إنه ذاك الذي لاينجرف بتأثير الظروف المحيطة – أي الذي لا تستطيع أن تجتاحه العواصف الثمانية: الرخاء أو الإنحدار - الإهمال أو التكريم. المديح أو الإنتقاد - والمعاناة أو السرور. إنه ذاك الذي لايغالي في الإبتهاج حين يسوده حال الإزدهار، كما أنه لايغرق في الأسى في وضع البؤس والإنحدار. تأكدّ أن قدرات الحياة الإيجابية تدعم من لاينحني لتأثيرات المحيط.”
يشير نيتشيرين في هذا المقال إلى ارتباط حكمة وقيمة تصرف الفرد بمتانتة النفسية، التي تتجلّى في الحرية من ضغوطات المحيط. لاشك أن للظروف الخارجية تأثيرها على الفرد سلباً كان ذلك أو إيجاباً: إذ أنه من الممتع سماع الثناء ومن الطبيعي الشعور بالإستياء لدى اللوم والإنتقاد. ولكن إلى أي حدّ يضع الفرد وضعه النفسي رهينة لآراء الآخرين أو للأحوال المتغيرة؟
إن التأثّر بالأوضاع أمر طبيعي في حياة الإنسان، ولكن الإنجراف والمبالغة بالتأثّر بضغط الظروف الخارجية يزيح رسوخ الفرد ويسيء إلى مستوى عقلانيته في ردود فعله. وهذا الوضع تعبير عن الضعف والهشاشة النفسية، بل وعن التبعية لآراء الآخرين والإستخفاف بقيمة الذات.
ولاشك أن الإنسان المتين يلقى الإحترام والدعم في حياة من القيمة والرسوخ.
الأسباب الأربعة عشرة للمعاناة
“ماهي الدوافع التي تسّير إلى دمار لاحق في حياة الإنسان؟
هناك أربعة عشرة سبب للوقوع في جحيم المعاناة اللاحقة، تتجلى في دوافع:
- التكبّر، العجرفة والإستعلاء على الناس
- الإستهتار والإستخفاف بمقادير الأمور أو بالمشاعر
- الأحكام الأنانية السطحيّة وعشوائية التفكير
- الغرور والعناد في الإعتقاد بصحّة الرأي الشخصي
- الإستغراق والإسترسال في الرغبات الماديّة
- الخمول والكسل وعدم الرغبة في التعلّم
- العناد ورفض الحقائق
- النفور والتهرب من مجابهة المسؤولية
- المخادعة والتضليل بهدف التشكيك بالحقيقة
- التنشهير وإهانة الآخرين
- إزدراء الآخرين وعدم تقدير قيمتهم الحياتية
- بث الكراهية الشخصيّة
- الغيرة والحسد
- الضغينة ورغبة الإيذاء”
يشير نيتشيرين هنا إلى نوعية الدوافع التي تؤدي إلى حصول معاناة لاحقة حسبما يحدده قانون وحدة السبب بنتيجته، علاقة مبتوت في حتميتها.
إنارة جميع النساء
“فقط في سوترا اللوتس يتناهى إلى إدراكنا أن المرأة التي تعتنق تعاليمها تصبح قادرة ليس فقط على السمو بين كل النساء، بل وعلى التفوّق على كل الرجال.”
يبيّن نيتشيرين في رسالته أنه - خلافاً لجميع التعاليم السابقة لسوترا اللوتس، والتي لم تعط المرأة حقها في بلوغ الإنارة في جسدها الأنثوي – فإن اللوتس تؤكّد أن حقل الإنارة موجود بالطبيعة في كل الناس دون أي تمييز.
ولأجل توضيح هذا المفهوم لجأت السوترا إلى إيراد قصّة حول وصول فتاة صغيرة إلى حقل الإنارة الفكرية والروحية. وفي رسائل مماثلة كان نيتشيرين يشير إلى بعض أتباعه من النساء بكونهم “بودا” أي “إنسان الإنارة”:
“والآن، هاهي امرأة قد تأججت فيها الرغبة في سوترا اللوتس وسوف تصبح هي البودا دون أي شك.”
ويقابل هذا الإنفتاح الراديكالي في البوذية النيتشيرينية حول مساواة النساء والرجال - يقابله نظرات دونية في تقاليد بوذية سابقة لتعاليم اللوتس، تشترط في إنارة المرأة ولادتها في حياة تالية كرجل.
أندر ما في الوجود
“كل كائن حي، في أي من أوضاعه النفسية، يمكن أن يبلغ حقل الإستنارة جسداً فكراً وشعوراً في حياته الحالية - في الواقع الحاضر الذي يحياه دون أي تأجيل. إن هذة الحقيقة من الندرة والروعة بحيث تبدو كمعجزة. ولكن أليس من الغرابة والرونق أن يكون بمقدور حجارة قد أخذت من قاع النهر أن تولد شرارات نارية لدى احتكاكها ببعض – أو أن ضوء شمعة يمكن أن ينير كهفاً كان قد غرق في ظلام دامس لمئاتٍ أو لآلاف من السنين.”
كثير من الظواهر الطبيعية يثير في فكر الإنسان شعوراً بدهشة ممتعة حين يفكّر بعمق معناها. وكما أن ضوء شمعة بسيطة التكوين يمكن أن يلج المكان مخترقاً ظلمات كانت تبدو مرعبة على مدى عصور، كذلك يرمز نيتشيرين إلى عبارة الإنشاد كرشقة من نور ينير ظلمات النفس الإنسانية الغارقة في الجهل والمعاناة.
وقد ولّد هذا المفهوم استغراباً لدى الكثيرين. إذ كيف يمكن لممارسة الإنشاد - وهو طريقة سهلة لاتعقيد فيها - أن تؤدّي إلى إيصال الفرد المثقل بالكارما مباشرة إلى وضع تزول فيه كل التشنجات والمشاكل؟
يبيّن نيتشيرين أن المشكل ليس في تراث الماضي المظلم، بل في عدم مقدرة الطرق الروحية السابقة على مساعدة الفرد للخروج من المعاناة. وقدرة الإنشاد هي من قدرة قانون الوجود الذي ليس تجاهه عائق، بما يمكّن الفرد من بلوغ حقل الحرية والسعادة مباشرة في واقعه اليومي.
السعادة في هذا العالم
“لاشك أنك ستجد في الحياة أوضاعاً من السعادة، وأوضاعاً أخرى من المعاناة. لذلك اعبر حقل المعاناة حين تستدعي ذلك الأوضاع، واستمتع بحقل السعادة حين تستدعيه ظروف الحياة. عليك أن تعتبر كلاّ من مشاعر الشقاء ومشاعر السرور – حقيقة لامفرّ منها في واقع هذا الوجود. المهم هو أن تستمر في تمتين حياتك بالإنشاد “نعم – ميوهو – رنكة – كيو” مهما كانت الأوضاع، كائناً في اتساق مع قانون الحياة. أليس هذا مدعاة للإبتهاج الذي ليس له حدّ أن تكون في انسجام مع قدرة قانون الكون؟ قم بترسيخ ثقتك بقانون الحياة الكونية باستمرار.”
في إيراد هذا التوضيح حول حقيقة الحياة اليومية من كونها تحوي كلاً من السعادة والشقاء، يلقي نيتشيرين الضوء على فارق كبير بين فلسفته المبنيّة على تعاليم اللوتس من جهة، والمذاهب البوذية السابقة للوتس من جهة ثانية.
فالمذاهب البوذية التقليدية تعتمد على نظرة متشائمة تعتبر المعاناة أساساً في الحياة، وفي هذا تناقض فلسفي حيث أن وضع الشقاء لايوجد بدون وجود ماهو ضده، كما أن وضع الإستمتاع لايوجد بدون وجود نقيضه.
السعادة الحقيقية تكمن في شعور الإطمئنان إلى المقدرة الذاتية على تحويل أوضاع الحياة إلى اتساق وقيمة والتغلب على كل المصاعب.
إنسان الحكمة يجابه الإضطهاد دون خوف من أحد
“يتوجب على كل فرد منكم أن يستجمع في روحه شجاعة الأسد ولا يأبه لأي تهديد من أي جهة كانت. فالأسد ليس في روحه خوف وكذلك الأشبال. تيقّن أنه لايمكن لأي قوة في الوجود أن تؤذي نيتشيرين، مهما تدججت شراً وعدوانية، ذلك لأن قدرات الكون تمد نيتشيرين بالحماية. استمر في تقوية إيمانك بذاتك المنارة يوماً بعد يوم وشهراً إثر آخر. وعليك أن تدرك أنك إذا تهاونت ولو قليلاً فإن القوى السلبية ستنتهز من ضعفك فرصة لفائدتها.”
في هذا المقطع من رسالة لنيتشيرين إلى أتباعه الذين جابهوا حملات من الإضطهاد والإساءات، يشير إلى وجوب عدم الخضوع لأي تهديد من أحد. ويشبّه تهديدات المعادي كعواء فارغ نسبة إلى الزئير، فالصوت الصادر من روح لاتعرف الخوف كفيل بتحريض جوٍّ من الإنتصار.
ولم يكن ما أشار إليه نيتشيرين بوجوب عدم الخضوع للتهديد مجرد كلمات شعرية بل كان تذكيراً بحقائق قد عاشها بنفسه، جابه فيها هجوماً متتالياً بعد آخر من قبل أشرس الأعداء عنفاً – والذين استطاع هزيمتهم علناً.
وكان رسوخه في المواقف وصلادة رنين صوته الفاقد لأي خوف مدعاة استغراب لأعدائه - بل أيضاً لأتباعه الذين تساءلوا في حيرة: من أين له بهذة القدرة النفسية والفكرية؟ وتجاه ذلك التساؤل يجيب نيتشيرين أنه إذا كانت قدرات الكون تدعمك، فمن له المقدرة على مقارعتك؟
سفينة عبور بحر المعاناة
“تشير تعاليم سوترا اللوتس عن كنهها كما لو أنها سفينة لعبور بحر المعاناة. وإن من يجسّد تعاليمها يصبح إرساليتها في حياته، تمدّه بالحكمة والقدرة بحيث لاتؤثر به مشقّة أو صعوبة. بل إن تزايد التحدّيات يستدعي فيه شعوراً بالحبور بسبب ثقته بما يكتسبه من قدرات. ألا تتأجج النار اتقاداً حين تلتهم وقودها؟ ألا تنصب الأنهار في البحر الذي يرحّب بها ولايردّها على أعقابها؟ كذلك فإن إنسان اللوتس لايرفض المصاعب والمشقات لأنه لايرفض التحديات بل يعتبرها مواداً أولية لتحويلها إلى أوضاع من القيمة والنمو.”
“ينص الفصل العاشر لسوترا اللوتس: إذا كان هناك شخص ما - سواءً رجل أو امرأة - يعلّم سرّاً ولو عبارة ما من هذة السوترا، إذن ليكن معلوماً أن هذا الشخص إرسالية من الإستنارة لمساعدة الآخرين.”
“إن من يسعد ولو بعبارة واحدة من السوترا يشبه ملاّحاً يقود سفينته عبر بحر المعاناة إلى شاطىء الإنارة. هذة السفينة هي مركبة ‘ميوهو رنكة كيو’ ومن يستقلها هو من أتباع نيتشيرين. كن واثقاً من ذلك بعمق قلبي.”
يشبّه نيتشيرين تعاليم اللوتس بمركبة لاجتياز حقل المعاناة بين الولادة والموت. ويشير إلى مفهوم أن من يستمتع بتعاليم روح اللوتس إنما هو إرسالية من عالم الإستنارة إلى الذين يعانون – وكأنه أو كأنها مبعوث من البودا، إرساليّة لأجل مساعدة الآخرين.
قدرة التحوّل من الضعف إلى القوة
“هاقد تحوّل طير الحمام الزاجل إلى صقر كاسر يمتلك السماء. ياللحبور! لقد بزغ في ذاتك التحوّل عبر استنارتك بالتعاليم النيتشيرينية. وكما الشجر المنتصب ينمو في الحقل شامخاً، قد تعلمت كيف تقف بانتصاب وعزّة.”
لأجل التغيّر من حال الضعف إلى المتانة النفسية في معالجة الأمور لابد من وعي للتعاليم التي تمكّن من إحياء القدرة الضمنية للتحول نحو الأفضل.
ومبدأ “التحوّل نحو الأفضل” Transformation يطابق في كنهه ماترمز إليه زهرة “اللوتس” التي تنمو في المستنقع الراكد، عبر تحويل ماحولها من عشوائية المواد الطينية الفاقدة للجمال إلى كيان من الرونق والمعنى.
إن التحوّل في الأوضاع التي يجد الفرد فيها نفسه يبدأ من الداخل وليس من الظروف الخارجية. فالبرنامج الداخلي للوتس على سبيل المثال هو السبب المسؤول عن نمو كل مراحل حياة الزهرة – وليس المستنقع المحيط. كذلك الأمر في واقع الحياة الإنسانية: فالبرنامج الفكري الذي يعتمده الفرد هو السبب في ما يتولّد ضمنه من مشاعر ومن إحساس بمدى إمكانياته.
كل شيء في مجرى حياة الفرد يتعلق بما يعتقده عن ذاته.
منطق الكلام من حقل الحكمة
“رغم أن التعاليم التي أنت بصدد تبيانها في حلبة نقاش هي تعاليم تامة كاملة التطابق مع الحقيقة، فإنه لايجوز أن تعتمد ذلك لتبرر في تصرفك أي عجرفة أو عدم احترام للآخرين، أو بما يظهرك مغروراً أو فوقياً. التصرف بغرور أو استعلاء تعبير عن وضاعة في القيمة. لدى لقائك للحديث مع الآخرين، عليك أولاً بقيادة وتنظيم أفكارك، وكن حكيماً في كل تصرّف تقوم به. تصرف بكرامة القيمة والرزانة. تكلّم بشكل رائق لدن العبور إلى أفكار السامعين. لتكن لهجتك راسخة ودافئة صوتاً منخفض الشّدة، ونظراً من عينين هادئتين، ملامحاً من الحيادية واتزان المنطق.”
يعتبر الكلام السلاح الوحيد للإنسان المتجه إلى الإستنارة في واقع حياته اليومية. والكلام مرآة للفكر: فالعقل الصحيح يصدر التعبير والتصرف الصحيح، أي أن العوامل الثلاث: “فكر الحكمة – دفء الصوت – قيمة التصرف” وحدة منسبكة الإتساق في الصوت ليس فيها تناقض.
ويؤكّد هذا المقطع أن يكون التركيز على العقلانية والقلبية في الكلام باحترام للآخرين. فهدف النقاش هو تبيان جدارة الحكمة وذلك لمساعدة الآخرين، وليس لإثبات فوقية في الإدراك أو لتحقيق رغبة “بالإنتصار على الغير”.
والعقلانية في أسلوب الكلام تقتضي تدريباً وتنظيماً للفكر بما يمكّن المستمع استيعاب فحواه. ويكفي أن ينطلق الكلام من حقل الصدق والقلبية لأجل أن يُفعّل في الفكر ويُشعّ في تصرفات الآخرين.
قدسية الحياة
“الحياة أثمن من كل الكنوز. إنّ يوماً واحداً من الحياة لأكثر قيمة من كنوز الأرض والسماء. وحياة فرد واحد أعظم قيمة من مجرات الكون بكل مافيها من ثراء.”
يمكن إدراك قيمة حياة الفرد عبر مفهوم الترابط Interconnectedness بين وجوده ووجود الآخرين وارتباط الجميع أيضاً بالطبيعة المحيطة. فحياة أي إنسان، كما نراها - بين الولادة والموت - ممكنة بسبب ما فيها من علاقات وأشخاص، بدءاً بالعائلة منذ الطفولة، وما حولها من ارتباطات وأفراد لاحصر لهم.
أي أن حياتنا تشمل ضمنها حياة الكثيرين والذين لهم جذورهم تتشعّب في الأرض والزمن. وكل ماهو محتوى ضمن حياتنا موجود أصلاً بفضل ترابط لايمكن الفكاك منه مع ظروف الطبيعة المحيطة.
هذا الثراء الهائل الأبعاد موجود ضمن حياة كل فرد. بمعنى آخر، فإن حياة الكون بكل جبروته موجودة ضمن حياة الفرد.
وإلّا فكيف يمكن للإنسان إدراك الظواهر الطبيعية إذا لم يكن لها انطباع داخلي في مجال فكره الخاص والذي بدونه لا يمكن إدراك ما حوله.
إزالة الحماقة الطبقية وهزيمة التفرقة الإجتماعية
“أنا، نيتشيرين، ابن عائلة من أدنى طبقات المجتمع(*) تحيا في قرية صيادي السمك قرب مقاطعة توجو في الساحل الشرقي لليابان. ولكن عبر سوترا اللوتس تغيّرتُ من كيان لافائدة منه إلى كيان من الإنارة العليا للحياة، كما لو أنني بذلك قد قايضت بحجارة لافائدة منها جبالاً من ذهب وعالماً من ثراء هائل المقدار.”
(*) في اليابان التاريخية كانت مهنة الصيد تعتبر مهنة دونيّة.
كان المجتمع الذي ولد فيه نيتشيرين قائماً على التمييز الطبقي والتفرقة الإجتماعية حيث كانت قيمة الفرد فيه - دون اكتراث لكرامته - رهناً بمستوى العائلة الماديّ ومكانتها الإجتماعية.
تهدف فلسفة اللوتس إلى إزالة المعاناة الإنسانية، فقد ترك البودا التاريخي شاكياموني الطبقة النبيلة التي ولد فيها وفضّل حياة الفقر والممارسات الروحية. وأعطى نيتشيرين بعداً جديداً في تاريخ البوذية في ولادته في عائلة من المنبوذين، مقدّماً مثالاً للناس أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن ليس في مستواه الإجتماعي بل في حكمته ومقدرته على مساعدة الآخرين.
ويشير نيتشيرين إلى أنه بدون تعاليم اللوتس إنما هو جسد زائل لا فائدة منه، وأن اتباعه لروح سوترا اللوتس كان بمثابة اكتشاف ثروة الكون كله.
المساواة وإزالة استعلاء السلطة الروحية للكهنة
“لقد اتخذت عهداً من قاع القلب أن أجعل كل الناس في حقل الإستنارة مثلي بدون أي فارق بيننا.”
في الفصل الثالث من سوترا اللوتس يظهر هذا البيان من البودا حول إرادته أن لايكون هناك أي فارق بينه وبين أي إنسان.
وخلافاً لعديد من التقاليد التي تجعل من البودا كياناً خارقاً للوجود – فإن البوذية النيتشيرينية تبيّن أن كل فرد في الواقع قادر على الوصول إلى نفس المستوى الروحي والفكري كما توصّل إليه البودا، دون وجود فارق يمنع من ذلك.
وليس في البوذية النيتشيرينية سلطة روحية خاصّة لأي شخص أو تمييّز خاص، وليس فيها سلطة للكهنة، بل إن الإتصال بين الفرد العادي وروح الكون إتصال مباشر عبر الإنشاد. فقانون الوجود - ميوهو رنكة كيو – يعمل ضمن حياة كل الناس، ووعي الفرد لهذا القانون الكوني يجعله في نفس حقل الإنارة الذي وصل إليه غيره دون أن يكون هناك أي تمييز روحي.
وتتميّز الممارسات النيتشيرينية عن غيرها من الطقوس التقليدية – بكونها تركز على روح القانون (الكوهونزون) وليس على الشكل الخارجي للكاهن أو المعبد.
تكامل الجانب المادي والجانب الروحي للحياة
“يمكن للمرء أن يعبّر عما يدور في ذهنه عبر إصداره الكلام. أي أن أفكار المتكلم تجد في الصوت أداة للظهور في الواقع. يمثّل الفكر الحقلَ الروحي والمعنوي ويمثّل الصوت الحقلَ الفيزيائي المادّي. وهكذا فإن الجانب الروحي للمرء يتجلّى في الواقع المادي عبر الصوت. بذلك يمكن لنا أن ندرك محتوى فكر الآخر من خلال الإستماع كنه صوت المتكلّم، إصداراً من العالم الداخلي له. وهذا ممكن لأن الجانب الفيزيائي في ظاهرة الصوت قادر على نقل وإظهار الجانب الروحي للفكر.”
لظاهرة الكلام معنى فلسفي عميق: فالإهتزازات الصوتية مادّية بطبيعتها، وهي تنتقل عبر الواقع الفيزيائي حاملة ضمنها معلومات حول العالم الفكري للمتكلّم وأيضاً حول الحقل الشعوري العاطفي له.
كذلك نحن قادرون على معرفة وضع المتكلم العاطفي ومشاعره من حزن أو سعادة مثلاً – عبر سماعنا لاهتزازات صوته.
بذلك فإن الصوت يكامل الحقلين: الفيزيائي (المادّي) والفكري (الشعوري).
لذلك فاستخدام الصوت لدى الإنشاد هو عملية توّحد الجسم والفكر معاً باتجاه الإستنارة. إن كلامنا من حقل الإخلاص والقلبية يحمل مشاعر المودّة الدافئة إلى حياة المستمع. واختيار كلام العقلانية والحكمة يفعل تغيّيراً في فكر المستمع ويسبب جوّاً من الإنسجام والدعم ينعكس في شعور من الرونق والفائدة المشتركة.
الحل الأكيد لصعوبات الحياة
“إن الوسيلة الرائعة لوضع حدّ حقيقي للعقبات المادّية والروحية في حياة الفرد ليست سوى في انسجام حياة الفرد مع قانون الحياة: نعم ميوهو رنكة كيو.”
حين نجابه مشكلاً ذو ثقل أو أهميّة في سياق الحياة، فإن أول مايتبادر في الفكر هو التساؤل: “لماذا؟ ما هو السبب فيما حصل؟” أي أننا ندرك بالفطرة أن ما يحصل من نتائج في الواقع الحالي لابدّ وأن يكون له سبب قد أدّى إليه.
تعمم التعاليم النيتشيرينية مبدأ عمل قانون السببية على كلا الحقلين المادي والمعنوي النفسي. فدوافع الحنو والتعاطف تتجسّد في كلام وتصرفات تسبب الفائدة والسعادة، أما دوافع الأنانية والتكبّر فتتجسّد في كلام وتصرفات تسبب التفرقة والمعاناة.
وقانون السببية واضح، يمكن مراقبة تأثيره مباشرة في الطبيعة والظواهر الفيزيائية. وهو مجال دراسة العلوم. وبفضل حتمية قانون السببية أصبح ممكناً استخدام مخترعات الطاقة الكهربائية.
لذلك فإن الحكمة تقتضي التلازم والتفاني الصادق في الكون في انسجام مع قانون الحياة، والكائن إرادة الوجود في تنظيم قيم الحياة وضبطها.
أهمية التصميم في اللحظة الحاضرة
“مجرى أحداث المستقبل يعتمد على قوّة التصميم والفعالية في هذة اللحظة الحاضرة. الإرادة الصادقة والعمل الجاهد في الزمن الحاضر يحدد روح المستقبل. عليك أن تتساءل بعمق: ماهو المستقبل الذي أنا أريد؟ ماهو المستقبل الذي أراه لحياتي؟ ماهي “الذات” في شخصي التي أنا مسؤول عن تطويرها؟ ماذا أريد إنجازه في حياتي؟ عليك بتشكيل اللوحة الملونة التي تريد، وانحتها برغبة قلبية وبتفصيل لتحقيق وقائع من الكرامة والحكمة والقيمة.”
تختلف تعاليم اللوتس عن غيرها من المدارس الفلسفية، وبشكل خاص تلك التي تركن إلى الجمود والإعتقاد بأن المستقبل مقدّر مسبقاً ولايمكن تغييره.
يثير الإنشاد النيتشيريني في نفسية الفرد قدرات من الطاقة الكامنة وحقولاً من ثراء الفكر والتوق إلى الإنجاز. وتحث فلسفة اللوتس على استخدام الرغبات بما يضمن خدمتها لحياة المرء في توليد رؤىً قيّمة ذات شغف ومعنى.
والسبب في تركيز فلسفة اللوتس على وجوب الاتقاد في كل لحظة (لبرمجة الوقت الحالي بما فيه من فائدة مستقبلية) - هو أن المستقبل الذي نريد يبدأ من تشكيله في الزمن الحاضر.
إن اتخاذ القرار والتصميم على نحت حياة من الإزدهار والقيمة يبدأ في الزمن الحاضر ويلقي أثره الإيجابي على المستقبل، سبباً تتبعه النتيجة.
القدرات الخارقة لإنسان الإنارة
“كما أن نور الشمس والقمر قادر على إزالة ظلام الكآبة والغموض، كذلك هذا الكائن الذي بزغ من حقيقة الوجود في عبوره لما حوله من أحداث في هذا العالم قادر على إزالة الظلام وإبادة الجهل من حياة الناس.”
يظهر هذا النصّ الشعري في الفصل 21 من سوترا اللوتس “القدرات الخارقة للتاتاكاتا” – ويقصد بـ Tathagata مفهوم ليس له ترجمة مباشرة، ويعني “ذاك الكائن الذي بزغ من الحقيقة”، ويقصد به الإنسان الذي يجسّد سوترا اللوتس في واقع الحياة اليومية.
والقدرات الخارقة لاتعني أن هناك قوى فوق الطبيعة لذاك الفرد، بل إنها قدرات من حقل الحكمة والعقلانية والمقدرة على إيجاد الحلول التي تضمن إزالة التشنّج والضيق لإحلال راحة القلب والفكر في حياة الناس.
ويشير نيتشيرين وضوحاً في كتاباته أنه ما عدا الوصول إلى إنارة الفكر بقانون الحياة (“نعم ميوهو رنكة كيو”) ليس هناك طريق.
وفي شرحه لميتولوجيا سوترا اللوتس - العابقة بالصور الصادحة بانتصار الاستنارة - يورد هذا المقطع الشعري على أنه وصف لمن يعكس قانون الحياة في حياته.
وهذا ينطبق أيضاً على كل من يتبع تعاليم اللوتس في عبوره أو عبورها أحداث العالم الأليمة بقوة كما شعاع الشمس يلج حتى أعمق ظلام.
الثقة بقيمة الذات
“كل شيء في حياتك يتعلق بما تظنه عن نفسك. إن ثقتك بأهمية كيانك النابع من تعاليم اللوتس سيحدد كل ما أنت مقدم عليه. وهذا يستدعي منك الشجاعة التي أنت بها قادر على دحر فكر الجهل والدجل. إن السيف لايجدي فعلاً في يد جبان ذليل. وهذة التعاليم من سوترا اللوتس سيف وسلاح يحوّل من يثق بها صدقاً إلى مقاتل معدني الكيان لايقهر.”
أهم شيء في وجود الإنسان هو إدراكه لهويته وقناعته بمن هو كائن في واقع الحياة. إن رغبة الفرد في تجسيد حقيقته الداخلية تستدعي الشجاعة في دحر ما يقاومها من أفكار مضادة تهدف إلى إخضاعه.
يمكن اعتبار تعاليم سوترا اللوتس كتكثيف لخبرة الإنسانية في إدراك القوى الحقيقية التي تضمن النتائج ذات القرار والفائدة. لذلك فإن الثقة بالذات المبنيّة على تعاليم اللوتس والرغبة الشجاعة في تجسيدها في الواقع الشخصي كافية لتحقيق انتصار يدحر أي عداء.
كل إنسان زهرة حياة فريدة
“كما أن لكلٍ من أزهار الكرز والخوخ والبرقوق والمشمش صفاته الفريدة الخاصة به، كذلك فكل شخص كيان فريد في وجوده. إنه لايمكن للزهرة أو الفاكهة إلاّ وأن تكون ذاتها - كما هي في طبيعتها. كذلك إنه لايمكن لك أن تصبح شخصاً آخر غير ماهو أنت أصلاً. المهم هو أن نحيا صادقين مع أنفسنا ونقوم بالأسباب التي تؤدي إلى ازدهار وتفتح هذة الزهرة العظيمة التي هي حياتنا بالذات.”
كما أن النباتات والثمار والفاكهة تأخذ هويتها من كونها ذات خواص فريدة فيها موجودة كما هي أصلاً – كذلك لكل فرد ذاته المتكاملة والتي لاتحتاج إلى خواص إضافية خارجة عنه.
وإدراك المرء أن وجوده في الكون وجود فريد ليس له مثيل في الواقع – هذا الإدراك كفيل بتغذية الشعور بأن حياته الشخصية نادرة وليس لقيمتها مقابل، وهذا إدراك يزيل من مشاعر المرء أي دونية أو نقص. كل فرد قيّم كما هو، وليس بحاجة إلى التقليد أو الكون غير ماهو في قاع الواقع الصادق.
تحقيق الرغبات طريق للوصول إلى الإنارة
“أتمنى عمقاً أن يتقد أتباعي بالرغبة في بلوغ الإنارة.”
خلافاً للموقف الجامد الذي تمثّله بعض التقاليد البوذية حول موضوع الرغبات - تشجع فلسفة اللوتس على الطموح والإتقاد بالرغبات الإنسانية في توق إلى حياة تهدف إلى تحقيق إنجازات ذات قيمة وفائدة مشتركة للجميع.
الرؤية الصحيحة حول الرغبات هي اعتبارها وقوداً ووسيلة لأجل تحقيق أمور ذات فائدة ومعنى – وليس اعتبارها هدفاً بحد ذاتها.
وأعلى الرغبات أهميّة هي الرغبة في الوصول إلى حقل الحكمة والتعاطف الإنساني. تشجع فلسفة اللوتس على إيقاد الشغف بحياة من الإنجازات القيمة المفيدة وعلى اكتشاف آفاق من الأمكانيات التي تمكن من تطوير الحياة إلى ماهو أفضل للشخص وللآخرين في جو من الترابط والإنسجام.
قيمة الوجود كإنسان
“إن روح الفكر الإنساني قابلة للإتساع والنمو بعمق وثراء كما لو كانت كوناً داخلياً يتمدد ويزدهر باضطراد وانتشار. وضمن هذة النظرة يكون من المؤسف جداً أن يقلل الإنسان من شأن حياته أو يشكك في قيمته. لذلك، مهما حدث وجابهت من تحديات، ثابر على توسيع مجال كونك الداخلي. أنت مجهّز بالقدرة على إيجاد الحل المناسب لأي مشكلة، ولديك ضمناً الإرادة والأمل والإمكانيات.”
في حين ترى النظرة السطحية حياة الإنسان على أنها محدودة أو غير ذات شأن، تبيّن تعاليم اللوتس أن قيمة الحياة الشخصية لاتقدّر عمقاً واتساعاً. الشعور بالصغر ليس تواضعاً بل تهرباً من الرغبة في النمو.
ولربما يتساءل المرء باستغراب وعدم تصديق حول نفسه: هل من الممكن حقّاً أن أكون بهذة القيمة؟ ولكن السؤال الحقيقي ليس “هل من الممكن لي؟” بل هو “هل أنا أريد؟”
كل فرد مجهز منذ الولادة بالإمكانيات والقدرات التي تمكنه أو تمكنها من معالجة الصعوبات بعقلانية ومتانة تؤدي إلى الحل الأفضل، تعبيراً عن سعة الفكر الداخلي والثقة بقدراته الكامنة.
الشعور بالهدف يحدد قيمة الحياة
“عندما ينبض قلب الإنسان بدفء الإحساس بالهدف، يأخذ عالمه الداخلي المعنى والإتجاه. ماهو الإتجاه الأقيم؟ أسمى الغايات قيمة هو العمل لأجل سعادة ورفاهية الآخرين، بما يفتح أمامنا طريقاً تزدان فيه حياتنا بأكبر قدر ممكن من التألق والقيمة. هذا مااشار إليه نيتشيرين حين قال أن من أشعل ناراً ليضيء للآخرين طريقهم في دغل يعبرونه إنما يضيء طريقه معهم في آن واحد.”
يشير نيتشيرين في تعاليمه إلى أن الحبور الحقيقي هو أن يشعر الإنسان والآخرون معاً بالحبور، وأنه لايمكن لنا بناء سعادتنا عبر أفعال تتسبب بمعاناة الغير.
ليس العمل على نشر السعادة في حياة من هم في ارتباط مع حياتنا بشيء خارق أو إضافي، بل هو طبيعي لأن مبدأ الترابط Interconnectedness حقيقة أساسية في مسار حياتنا منذ الولادة. وتنص التعاليم أن أصل الشرور ينبع من ثلاثة دوافع: الطمع – التكبّر - الحماقة.
منبع السعادة المشتركة هو في التصرف بالحكمة والكرامة والقيمة.
الإستنارة حقل ضمني في كل إنسان
“الإستنارة مصدر دوافع الخير والسعادة والحكمة. وفي حال غيابها عن الوعي ينجم الجهل، مصدر دوافع الشر والمعاناة والحماقة. هذة الدوافع والمشاعر المتناقضة موجودة في ضمن الإنسان نفسه. أي ليس هناك شخص يحتوي فكره الخير والحكمة فقط وشخص يحتوي فكره الشر والحماقة فقط.”
يمكن لنفس الشخص أن يتصرف إمّا بحكمة أو بحماقة - أي إما بإنارة أو بجهل. لذلك فمن الخطاء الحكم النهائي على شخص بأنه شرير بل يجب الحكم على تصرفه فقط.
وهناك رأي مخالف لهذه النظرة يُدعى بالثنائية Dualism، التي تعتبر أن هناك خيراً مطلقاً وشراً مطلقاً منفصلان عن بعض. بينما يُدعى مبدأ “ترابط المتناقضات” باللاثنائية NonDualism، أي أن الخير والشر قطبين متعاكسين طبعاً ولكن ليسا مستقلين عن بعض.
ومن الخطأ الظن أن حقل الإنارة (الخير) مستقل وخارج عن الإنسان – بل له وجود ضمني. وهذا إدراك يتجلّى في تحية “نماسته” Namaste المعتادة في المجتمعات الشرقيّة والتي تعني “أرى حياة الإنارة ضمنك”.
العوالم العشرة
“تشير سوترا اللوتس إلى المجال النفسي للمشاعر والإدراك على أنه طيف من عشرة حقول موجودة فطرياً في كل إنسان.”
يمكن تصنيف الحالات النفسية المتعددة التي يحياها الفرد على أنها إما مشرقة وإيجابية، أو في وضع دوني من ضعف وألم. وهذة العوالم العشرة هي:
- عالم الجحيم Hell: أدنى وضع نفسي من الكآبة والإحباط وفقدان معنى الحياة.
- عالم الجوع Hunger: الشعور بالحاجة إلى تلبية الرغبات الحياتية دون بلوغها.
- عالم الغضب Anger: الشعور بالإستياء حين لا تُلبّى المتطلبات النفسية.
- عالم الحيوانية Animality: الخوف والهجومية كما في غريزة الحيوان.
- عالم الهدوء Tranquillity: الشعور بالاتزان واستخدام العقل.
- عالم الفرح Rapture: السعادة حين تُلبّيها الظروف الخارجية.
- عالم التعلّم Learning: الإتقاد في الرغبة في التعلّم والمعرفة.
- عالم الإدراك Realization: الوصول إلى الإنجازات وإدراك الحقائق.
- عالم البوديساتفا Bodhisattva: حقل اندفاعات التعاطف ومساعدة الآخرين.
- عالم الإستنارة Enlightenment: الحقل الأعلى للحكمة والقدرة والسعادة الحقيقية.
ترابط العوالم النفسية وإمكانية تحويلها إلى الإنارة
“تنفرد سوترا اللوتس بتمكين تعاليمها أي إنسان بلوغ أعلى حالات الفكر والشعور: حقل الإستنارة، في ضمن الحياة الحالية.”
خلافاً للتعاليم السابقة لفلسفة اللوتس، والتي تنصّ على أن وضع الإستنارة يقتضي التدريج في الممارسات عبر عدد من الحيوات للوصول إليه – تبيّن تعاليم اللوتس أنه بإمكان أي فرد الإستمتاع بأعلى حالات الفكر والمشاعر خلال حياته الحالية.
ففي الواقع، يتوجب رؤية “طيف العوالم العشرة” على أنه مجموعة حقول مترابطة ضمنياً: Mutual Possession. فكما نعلم، حين يسيطر عالم الغضب على تصرفات شخص ما، فإن هذا الوضع لايستمر دونما حدود، إذ لابد وأن يتلاشى ليظهر بعده حال آخر. وكل من العوالم العشرة يحوي ضمنه الحالات الأخرى بشكل إمكانية.
ومن خلال مبدأ الترابط بين ساحات الشعور النفسيّة يظهر أنه ليس هناك من مانع لوضع الإستنارة من البزوغ والكون سيداً على كل الحقول النفسية الأخرى، ولكن هذا يتطلبّ جهداً ومثابرة وتصميماً في ممارسات متتالية تسودها الحكمة ومشاعر التعاطف.
الإستفادة من دعم الظروف الخارجية لأجل الإنجاز
“إن ذبابة الفرس الزرقاء، إن هي قد تمسّكت بذيل حصان أصيل، يمكن أن تسافر آلافاً من الأميال. كذلك مثال اللبلاب الأخضر الذي يلتف على شجر الصنوبر الطويل، يمكنه أن يتسلق وينمو مع الجذع عالياً بشموخ.”
كما هو الحال في مثال ذبابة لاتملك القدرة على قطع مسافة صغيرة بسبب ضعفها، لكنّها تتمكنّ مع ذلك من السفر مسافات شاسعة إن هي قد تمسّكت بذيل حصان قوي العدو، كذلك الفرد يمكن له تحقيق إنجازات كبرى على الرغم من ضعف موارده وإمكانياته إن هو قد استفاد من دعم القوى المساعدة في المحيط.
ويورد نيتشيرين مثال الطيور المهاجرة التي تسافر مسافات شاسعة. فالطيور المهاجرة ليس لها بحد ذاتها قدرة عضلية خاصّة تمكنها من التحليق عبر القارات، بل يكمن نجاحها في الطيران البعيد في استخدامها لتيارات الهواء لتحملها إلى هدفها.
كذلك يمكن للفرد أن يحقق إنجازات كبرى ليس فقط بالإعتماد على قدراته الشخصيّة بل بمعونة قدرات المحيط التي تتوافر بعطاء لمساعدته حين يكون في عزم ووضوح في الهدف.
القيمة في الصمود والتصميم
“إنه حين تجابه العواصف العاتية وحين يحاول الناس كبح تقدمك عند ذاك الوضع يأتي تصميمك إلى المقدمة ليبتّ في رسوخك طوداً من القيمة.”
القوى السلبية المعادية للنمو تكمن في ضمن كل فرد كما هي توجد أيضاً في المحيط. وحين يركن الفرد إلى وضع الإنفراد والخمود عن الفعالية في المحيط، عندئذ تستكين القوى السلبية المعاكسة لنموه.
ولكن حالما يصمم الفرد على القيام بأخذ زمام القيادة على مسار حياته، أو يعلن ثورته على الضغوط النفسية التي تقيّد مشاعره ورغباته الشخصية – عند ذاك تثور زوابع الهيمنة والتسلّط.
إن القيمة الحقيقية لحياة الفرد تزدهر في إنارته للكهف الداخلي لأفكاره ليشكل منه حقلاً من النصوع والإشراق يكسح وهم الضعف ويجسّد حياة من المعنى والقيمة.
“من الآن فصاعداً” — الحرية من قيود الماضي
“كل يوم بداية جديدة. استمر في التقدم والتطلع إلى المستقبل بإرادة وتصميم. اجعل من اللحظة الحالية بداية المستقبل الذي تريد.”
تعتمد فلسفة اللوتس في الأساس على قانون التغيّر الدائم في ظواهر الوجود وعلى أن “كل حالٍ يزول”. لذلك فإن التعلق بالماضي - إن كان مصدره التغنّي بانتصارات سابقة أو كان بسبب الإرتباط بذكريات مؤثّرة – إنما تجذيف ضد تيار الزمن ومعاكسة لإرادة الوجود في التجدد المستمر.
طالما أنه لايمكن للإنسان العودة إلى الزمن الذي قد انقضى، إذن ليس هناك من مجال للفعالية سوى الزمن الحاضر وما سوف يليه من مستقبل. ولأجل أن يكون الفرد في انسجام مع قانون الوجود في التغيّر، لابدّ من التصميم على أن يعتبر المستقبل الحقل الأكثر أهمية واعتباراً.
يعتمد مبدأ “من الآن فصاعداً” على قدرة قانون السببية: إذ أن القيام بسبب في الزمن الحاضر لابد وأن يولّد نتيجة لاحقة متناسبة مع نوعية السبب. أي أن هذة اللحظة الحالية لها تأثير كبير على المستقبل.
حول كتابات المعلم نيتشيرين
حين ظهر البودا التاريخي (قبل حوالي 2500 سنة) في شمالي الهند، كانت طريقة نقل المعلومات والتعاليم الروحية آنذاك تركزّ على أسلوب النقل الشفوي بشكل خاص. ولم تسجّل نصوص السوترا المنسوبة إلى البودا كتابياً إلاّ في فترة لاحقة.
خلافاً لذلك، تقصّد نيتشيرين حين ظهر (قبل حوالي 800 سنة) أن يسجلّ تعاليمه كتابياً، مشجعّاً أتباعه على تداولها ونسخها. بذلك ترك المعلّم نيتشيرين تراثاً غزيراً جداً من المقالات يفوق الأربعمائة من السجلات الغزيرة المحتوى من آلاف الصفحات، والتي اتخذت شكل الرسائل إلى أتباعه وإلى السلطات الحاكمة في تلك الفترة التاريخية.

تظهر كتابات المعلّم نيتشيرين روح الدفء القلبي والعواطف الإنسانية المشتركة مع مشاعر الذين استلموا تلك الكتابات في أوضاعهم الحياتية الصعبة. كذلك تبيّن عمقاً فكرياً وفلسفياً ممتعاً. وقد حافظ أتباعه على هذا التراث الكتابي القيّم عبر الزمن وصولاً إلى العصر الحالي، حيث تمت ترجمة هذة الكتابات أيضاً إلى عدد من اللغات.

ولأجل تقديم نموذج من الرسائل النيتشيرينية - مجرد صفحة من آلاف الصفحات - يُعرض فيما يلي عرض عام لرسالة مبدئية تحمل العنوان: “حول وصول الفكر إلى الإستنارة في الحياة الحالية” – أرسلها نيتشيرين إلى أحد أتباعه الأوائل وفيها شرح لأسس الإنشاد نظرياً وعملياً.
حول بلوغ الإستنارة في الحياة الحالية
إذا رغبت أن تتحرر من المعاناة والتي قد رافقتك بين كل ولادة وموت منذ عصور لاتحصى، وإذا رغبت أن تبلغ وضع الإستنارة العليا حتماً في هذة الحياة الحالية، إذن لابد لك من أن تدرك أولاً حقيقة القدرة الروحية التي تعمل ضمن حياتك، وضمن حياة كل الكائنات.
هذة القدرة الروحية طبيعة فطرية تولّد المشاعر الضمنية — من سعادة أو معاناة — وتصدر حكم قانون الوجود على قيمة الدوافع والأفعال. إن حقيقة حياتك هي أنك تحوي ضمناً “قانون الحياة” الذي يحدّد تبعات أفعالك. إنه قانون “القدرة المدركة” الكائنة ضمن أعماق الوعي الباطن لكل فرد.
وتشير سوترا اللوتس إلى هذة القدرة الحيويّة بقانون “ميوهو- رنكة – كيو” — النظام الكوني لظواهر الوجود — والذي به يتّزن العالم محدداً لكل سبب قيمته وما يتبع من نتيجة.
لذلك، فإن وعي الفرد واستنارته لوجود هذة القدرة المقدسّة ضمن حياته يتحقق تلقائياً عبر إنشاده تعبيراً عن إدراكه لهذة القدرة “ميوهو- رنكة – كيو”، إذ أن صوت الإنشاد إصدار من الوعي يحمل في كلماته اسم هذة الحقيقة الضمنية الأعمق، والتي لدى استدعائها تبزغ قدرة رائعة من الحكمة والمعنى والإمكانيات — أعلى وأسمى أوضاع الفكر والمشاعر.
من بين كل التعاليم والسجلات البوذية، تحتل سوترا اللوتس المكانة الأعلى حكمةً، فهي الأكثر شمولاً وكمالاً — أعلى قيمةً ومبادئاً إنسانية. ذلك لأن سوترا اللوتس تعبير عن روح القانون “ميوهو - رنكة – كيو”. إنها بيان صادر عن الفكر الإنساني الذي قد استنار إلى القانون الأبدي للحياة والموت، القانون الذي يدير كل ظواهر الوجود، ويصدر الحكم الباتّ على ما يحصل من أحداث.
هذا القانون هو تجسيّد لجميع قوانين الطبيعة الماديّة وظواهرها. وهو أيضاً تجسيّد لقوانين العلاقات النفسيّة. إنه “قدرة الحياة” تعمل في الجسد والفكر وروح المشاعر. وعبر عمل “قدرة الحياة” هذة يسبك الفرد مسار حياته، المسار الذي تحدده قيمة دوافعه التي يسمح بتأثيرها في فعالياته.
الوعي إلى حقيقة وجود القانون الكوني ضمن حياة الفرد — وليس خارجاً عنها — يعني أن الفرد يحتوي حقل الإستنارة إلى فكر الحكمة والسعادة، وبالتالي إلى المقدرة على تجاوز كل الصعوبات.
حقل الإستنارة ملك شخصي للفرد يبزغ تلقائياً في وعي الإنسان بواسطة الإنشاد، بعد أن كان مجرد كنه كامن في عمق الفكر دون وعي لوجوده. لذلك فإن تعاليم اللوتس — التي هي تعبير عن قانون “ميوهو - رنكة - كيو” — مصدر حكمة كل من وصل إلى الإستنارة.
في كل لحظة من الزمن، تتجلّى قدرة قانون الحياة “ميوهو- رنكة – كيو” في كيان كل فرد: جسداً فكراً وروحاً. وتولّد الإحساس بالذات الشخصية والتي هي في ترابط مع المحيط لا انفصال بينهما.
كل علاقات الإنسان منذ الولادة تعبير عن ترابط لا انفصام لوجوده مع المحيط — عبر أحداث تولّدها أسباب وتتبعها نتائج، كما يحددها قانون الحياة.
هكذا تسري حياة جميع الكائنات رغم اختلافاتها وتعددها الهائل. ورغم اختلاف الكائنات في وظيفة كل منها في الطبيعة، فهي كلاً ودون استثناء تجسيد لـ"قدرة الحياة الكونيّة" — قدرة جبروت الوجود: “ميوهو- رنكة – كيو”.
لا يمكن للكائنات الحية الوجود دون المواد التي تدعم حياتها، لذلك يشمل نظام الحياة الكونية ليس فقط الكائن الحي بل كل ما هو موجود في الطبيعة لدعم الكائنات الحيّة، أي كل ما في الأرض من نباتات وتراب، ويتغلغل قانون الوجود حتى أدقّ ذرات الغبار، في ترتيب ديناميكي يفوق الوصف.
نظام “قدرة الحياة” أحجية كونية الأبعاد، وهو نظام الوجود الرائع الذي يفوق أي تفسير. وهو المصدر في تشكيل وترابط جميع الأشياء وجميع الظواهر وكلّ العلاقات والمشاعر.
وبما أن قانون الحياة يعمل ضمن الفكر والمشاعر والجسد، لذلك فإن أسلوب حياتنا الفردية وعلاقاتنا مع الآخرين هي تعبير ذاتي عن مدى إدراكنا لهذة القدرة الحيويّة المقدسّة “ميوهو- رنكة - كيو”. وبالطبع، كل كائن له هويته الفريدة التي لا تتكرر، ولكن طبيعة مشاعره الفطرية موجودة ومشتركة مع جميع الآخرين. كل إنسان فريد في هويته الشخصيّة ولكن وجوده أصلاً إنما تعبير عن نفس القدرة الحياتية التي أصدرت كل الكائنات.
ومن الممكن أن تقبل في فكرك عقلانيّاً أن “ميوهو- رنكة - كيو” هو نظام وجود الطبيعة وقانون الحياة. ولكن، برغم قبولك وإنشادك اسم هذا القانون، إذا أنت قد ظننت أن هذا القانون موجود خارجاً عنك — إذن أنت لا تدرك حقيقة الواقع بل تتبع تفكيراً دونياً.
الفكر الدوني هو الظن أن حياة الفرد أقل وأدنى من مصدره: قانون الوجود. الدونيّة هي الظن الخاطىء أن قانون الكون موجود خارجاً عن الكائن الحيّ، وبالتالي الوهم بأن حقل الإستنارة والحكمة هو حقل لما هو موجود خارج فكر الفرد. بذلك لا يمكن للفكر الدوني أن يوصلك إلى الحكمة لأنه يفترض أن حكمة قانون الحياة خارجة عنه.
الطريق الصحيح المباشر لاستنارتك هو الإدراك إلى أن القدرة الكونية — والتي هي مصدر السعادة أو المعاناة في حياتك — إنما تعمل في ضمن حياتك الخاصة بالذات. أما إذا ظننت أن ما يحرّك وجودك خارج عنك، إذاً لا يمكن لك بلوغ حقل الإستنارة وقيادة حياتك — حتى ولو أنك قضيت حياة بعد حياة في ممارسات روحية، ولكن دون جدوى من كل ما تفعل.
إذا لم تعتقد أن قانون الحياة موجود ضمناً في مسار حياتك الشخصية — وليس خارجاً عنك — إذن أنت لن تستطيع بلوغ حقل الإستنارة الضمنية.
لذلك، فحين تستخدم صوتك لتنشد النداء “ميوهو- رنكة - كيو” يجب أن تستدعي مع ذلك القناعة الأعمق أن “ميوهو- رنكة - كيو” قدرة داخليّة تسبك مسرى حياتك الشخصية، وأنك تقودها عبر الإنشاد بوعي ورغبة إلى الوضع الأعلى لوجودك.
يجب أن لا تظن أبداً أن أيّاً من تعاليم الحكمة المقدسة والحقائق النفسيّة للإنسان — التي توصّل إلى إدراكها البودا شاكياموني أو غيره — يجب أن لا تظنّ أنها خارجة عن حياتك، لأنها في الحقيقة موجودة فطرياً ضمن عقلك الباطن حتى ولو لم تكن أنت واعياً لذلك.
إن ممارساتك الروحية واتباع أيّ من الطقوس لن تمكّنك من إيقاف المعاناة — حتى تدرك ما هي طبيعة حياتك الحقيقية وكيف تعمل مشاعرك.
كل حياتك عبارة عن تتالٍ لأحداث تسري حسب علاقات قانون الوجود “ميوهو- رنكة - كيو”. فإذا أنت قد بحثت عن حقل الإستنارة ظانّاً أنه خارج حياتك الشخصية، فإن كل جهودك وممارساتك ستكون عديمة الجدوى.
إنك بذلك الفهم الخاطىء كمثل شخص فقير يمضي وقته ليلاً نهاراً وهو يعدّ ويمجّد ثروة جاره، ولكنه لن يكسب من ذلك شيئاً.
وحول هذا الموضوع يقول مرجع من المدرسة الفلسفية لـ"التنداي" Tendai: “إذا لم يدرك الفرد أن طبيعة مسرى أحداث حياته هي آلية عمل قانون السبب والنتيجة الذي يحرّك تصرفاته — فهو إذن غير قادر على إجراء تغيير ضمني لإزالة نتائج ما قام به من إساءات وآثام سابقات.” ويعني هذا القول أن طبيعة مشاعر وأحداث حياة الفرد الشخصية مصدرها نظام عمل قانون السببية ضمنه وليس بفعل سلطة خارجية عنه.
إذا لم يدرك الفرد ذلك، فعندئذ تصبح ممارساته الروحية للتحرر من المعاناة مصدر ثقل نفسي، لأنه لن يتمكّن من الإعتقاد بمسؤوليته الشخصية وقدرته الفرديّة على إيقاف المعاناة، ظانّاً أن المسؤولية تقع خارجاً.
إن هدف تعاليم الإستنارة البوذية هو إنهاء المعاناة. لذلك فالذين يقومون بممارسات خاطئة لا يتبعون في الحقيقة فكر الإستنارة البوذية.
إذا أنت قد أنشدت لفظ الإستنارة “نعم – ميوهو – رنكة – كيو”، أو رتّلت سجلاً من سوترا اللوتس، أو لو أنك أيضاً قد قدّمت عطاءً من ورود أو عطور — فإن كل ما تفعل من قيمة سوف يغرس في حياتك الفضائل والفائدة، جذوراً من الجودة.
وحسب هذا الإعتقاد يجب أن تبذل كل جهد في واقعك اليومي لترسّخ الإيمان والثقة بقيمة كيانك، الذي يحوي إمكانية حياة الإستنارة، أثمن ما في الوجود.
هذا ما يعنيه قول من سوترا تدعى باسم “فيمالاكيرتي” Vimalakirti حين تذكر أنه حين يتوق الفرد إلى حقل الحرية من المعاناة — أي حقل النيرفانا — يتبيّن له أن حقل الحرية من المعاناة يمكن أن يوجد فقط ضمن كيانه الشخصي، وليس في مكان ما خارجاً عنه.
حقل السعادة والحرية من المعاناة لا يوجد في مكان خارجي، بل هو نتيجة حكمة الإستنارة تبزغ ضمن الفرد، قدرةً تحوّل أحداث حياته بين الولادة والموت إلى أحداث من المعنى والقيمة.
وتذكر هذة السوترا أيضاً أنه لا انفصال بين الناس وما يحيط بهم من ظروف. أي أنه لا انفصال بين الأوضاع والأمور التي تحصل في أرض معيّنة عن فكر قاطنيها بالذات.
فإذا كان فكر الناس مشوهاً، مضطرباً، لا نقاء فيه — إذن كذلك يكون واقع أرضهم أو المكان الذي هم فيه يعيشون — إذ عليه ينعكس فكرهم، لا محالة.
ولكن، إذا كان فكر الناس صافياً، منسجماً، نقياً — إذن كذلك يكون واقع الأرض أو المكان الذي هم فيه يعيشون — إذ عليه ينعكس فكرهم، لا محالة.
فليس هناك نوعيتان من الأرض: إحداهما — بحد ذاتها — أرض “القدسيّة والنقاء” والأخرى — بحدّ ذاتها — أرض “الجهل والتشويه”. إنما على أرض الواقع تنعكس قيمة فكر قاطنيه — من عقلانيّة أو جهل.
كذلك الأمر في موضوع المقارنة بين الإنسان المستنار والفرد العادي — فليس بينهما في الأساس أي فارق جسدي أو ما هو خاص. إن نفس الشخص بالذات، حين يكون فكره سطحياً أو في ضلال — يدعى بكونه فرداً عادياً، ولكن حين يصبح فكره مناراً — يدعى بكونه بودا أو إنسان الإستنارة.
مشاعر وحكمة الإستنارة توجد كما لو أنها جوهرة أو مرآة صقيلة الكمال في العقل الباطن. ولكن بسبب ما نرتكبه من أخطاء يتراكم على سطحها أوساخ وتشويه. إن سطح مرآة الإستنارة يصبح ملطّخاً بآثار من أوساخٍ تغطّيه من تأثير فكر الجهل والضعف الذي يتشربه المرء من أخطائه ومن تأثير المحيط، بما يشوّه انعكاس حقيقة الأمور ويمنع الإستنارة من مساعدة الفرد إدراك الحقيقة وصحّة التفكير.
ولكن نفس المرآة التي يغلّف سطحها أوساخ التشوهات سوف تتألق كالجوهرة حين يُجلى السطح ويصقل.
ومثال الفكر المكفهر حالياً من جرّاء أوهام المخاوف والدونية — كمرآة قد تلطّخ سطحها، ولكن المرآة تتألق ضياءً حين تصقل بإشراق ورونق. كذلك حال الفكر نفسه حين تبزغ فيه الإستنارة، إذ في حقل الفكر المنار تنعكس بوضوح الطبيعة الحقيقية للواقع، وكيف تعمل الحياة.
ألا فاتّقد بالثقة بذاتك كائناً كياناً من عالم الإستنارة، وقم بصقل مرآتك الداخلية بجهد يومي متواصل.
كيف يمكنك ذلك؟ فقط بواسطة الإنشاد “نعم – ميوهو – رنكة – كيو”.
ماذا يعني إذن مفهوم كلمة myo “ميوه”؟ إنها تعني الكنه: “كنه الحياة” و"روعة الوجود" الذي ليس له وصف.
وكنه الحياة إنما أحجية نحن نحياها من لحظة إلى لحظة تالية في مسار مستمر عبر الزمن — ولكنّ الحياة لغزٌ من جبروت الوجود ذو عمقٍ لا يستوعبه الفكر. إنها روعة الكون المتألّق قدرةً وحكمة لا يمكن وصف أبعاد وجودها بالكلمات. روعة الكون وجود خارق لا يمكن الإحاطة به عبر الإحساسات أو الآراء.
فمن السهل لنا الإحاطة بوجود شيء ما في الواقع عبر الحواس، التي تبيّن خواص مادته من شكل ولون مثلاً — ولكن إذا قمنا بالتمعّن حول طبيعة فكرنا فنحن لا نجد للفكر خواصّاً من لون أو شكل يتخذه كما هي الحال في صفات “وجود” المواد. الفكر ليس كالمادّة التي نحدّد أنها موجودة عبر استخدامنا للحواس.
وبالطبع، لا يمكن لنا الإدعاء أن الفكر “غير موجود”، إذ أن الرؤى والأفكار تتوارد ضمن وعينا باستمرار. بذلك لا يمكن إذن تحديد الفكر على أنه “موجود” كما نصف وجود المادة والأشياء، ولا يمكن القول أيضاً أنه “غير موجود”. إن الحياة أحجية محيّرة تتجاوز أي وصف أو تحديد بمفاهيم الوجود وعدم الوجود. إنها لا هذا ولا ذاك. ولذلك تدعى: روعة جبروت الحياة، ويرمز لكنهها بكلمة “ميوه”.
فحياة الإنسان تسري عبر الزمن، وهي ليست وجوداً ملموساً كما هي الحال في وجود الأشياء، وهي أيضاً ليست سرياناً روحياً لما هو غير ملموس من فكر ومشاعر، بل إنها تكامل للطبيعتين: المادية وغير المادية معاً.
وللإشارة إلى “الطبيعة الخفية اللامادية” أو “الكنه” — تُستخدم كلمة ميوه myo. أمّا للإشارة إلى الظواهر الملموسة مادياً والتي ندرك وجودها عبر الحواس فيشار إليها بكلمة “هو” ho.
بذلك، فحقيقة الحياة هي تكامل المادة أو الشكل ho والفكر أو الكنه myo — معاً ينسكبان في كيان واحد: myoho. بذلك فإنّ وجود أي كائن هو myoho أي هو الطريق الأوسط لوجود كل الأشياء في الواقع، لا تحيّز فيه للمادية ولا تحيّز فيه للروحانيات.
أنت نفسك “ميوهو”: جسداً مادياً للفكر والمشاعر ينبض في فعاليات حقيقتها سبب تتبعه النتيجة.
وللتعبير عن روعة حقيقة ارتباط السبب والنتيجة تُستخدم كلمة “رنكة” renge وتعني زهرة اللوتس. بذلك يمكن وصف حياة كل كائن حي بأنّه “myoho renge ميوهو رنكة”. كل كائن في الوجود أحجية رائعة الكنه هي myoho renge تسري ضمن نظام ومبدأ kyo يشمل كل حياة دون استثناء. وكل حياة تعبير عن قدرة قانون الوجود myoho renge kyo.
سوترا اللوتس — التي هي إعلان عن “قانون الحياة الأبدي ميوهو- رنكة - كيو” — هي أعلى وأكمل التعاليم الهادفة إلى بيان الطريق المباشر للإستنارة. إنها تفسّر أن كل ما نمرّ به أو نقوم به — إيجابياً كان أو سلبياً — إنما أحداث تعبّر عن “قانون الحياة المقدّس” الذي يحدد قيمة ومصير أي فعالية نقوم بها.
إذا قمت بالإنشاد “نعم – ميوهو – رنكة – كيو” باعتقاد عميق الصدق بهذا القانون الفطري، فأنت بالغٌ الإستنارة حتماً في هذة الحياة التي تحياها الآن.
إن هذا من القيمة بحيث لا يجوز إهماله، ولهذا السبب تبيّن السوترا أنه “بعد رحيل البودا عليك باتباع صدق هذة التعاليم” — أي أن هذة التعاليم هي بمثابة البودا نفسه حتى بعد رحيله.
لا تسمح للشك بذاتك أبداً، لأنك كيان قادر حتماً على بلوغ الإستنارة بمجرّد إدراكك أن قدرة قانون الوجود “ميوهو- رنكة - كيو” تعمل ضمن حياتك.
واستمر في الحفاظ على ثقتك بقيمة حياتك، واضعاً هدفاً أن تبلغ الإستنارة في هذة الحياة الحاليّة.
مع الاحترام.
نيتشيرين

ملاحظة حول الرسالة
هذة الرسالة من نيتشيرين قصيرة نسبياً، وفيها شرح مكثّف لموضوع إمكانية بزوغ الإستنارة في الفكر عبر صدق الرغبة والفعاليّة لتحقيق ذلك. ولأجل توضيح أكبر لموضوع هذة الرسالة، هناك محاضرات تفصيلية عديدة حولها في مطبوعات المكتبة النيتشيرينية وعلى شبكة الإنترنت.
المغزى العام لهذة الرسالة هو:
أولاً: أن حقل الإستنارة موجود ضمن حياة كل فرد، ليس خارجاً عنه، وأنه يمكن تحريضه بالإنشاد.
وثانياً: أن الإنسان يصنع الظروف الجيّدة أو السيّئة — أي أنه ليس هناك ظروف خارجية أو أرض بحدّ ذاتها مقدسّة أو غير مقدسّة، بل إن فكر من يقطن المكان ينعكس بشكل ظروف في الواقع المحيط.
وثالثاً: أن انبعاث حقل الإستنارة في الفكر يؤدي إلى تحقيق الفائدة العملية في الحياة اليومية: في مشاعر السعادة وإزالة المعاناة وفي التغلّب على الصعوبات، في حياة من المعنى والقيمة.